أولى محطات البابا تواضروس في ملوي، حكاية كوم ماريا وعلاقته برحلة العائلة المقدسة
في جنوب محافظة المنيا وتحديدا في نطاق قرية دير أبو حنس التابعة لمركز ملوي، توجد منطقة ربما لا يعرفها كثيرون بالاسم لكنها تحمل قيمة دينية وتاريخية كبيرة لدى الاقباط، وهي منطقة كوم ماريا.
اليوم الثلاثاء 15 سبتمبر 2026 تبدأ زيارة البابا تواضروس الثاني بابا الاسكندرية بطريرك الكرازة المرقسية، إلى إيبارشية ملوي وأنصنا والأشمونين، وتأتي كوم ماريا في مقدمة محطات الزيارة، حيث يفتتح البابا المرحلة الأولى من مشروع المزار السياحي لمسار رحلة العائلة المقدسة في المنطقة.
قصة كوم ماريا؟
كوم ماريا تقع في قرية دير أبو حنس بمركز ملوي، وهي منطقة ارتبطت في التقليد القبطي برحلة العائلة المقدسة في مصر.
وتروي المصادر الكنسية والتاريخية الخاصة برحلة العائلة المقدسة ان العائلة خلال وجودها في مصر تحركت بين مناطق مختلفة من البلاد، وكانت منطقة وسط الصعيد واحدة من المحطات المهمة في هذه الرحلة.
وتأتي منطقة ملوي ودير أبو حنس ضمن نطاق جغرافي غني جدا بالمواقع القبطية والاثرية. فالمنطقة لا تضم كوم ماريا فقط، وانما توجد بالقرب منها كنائس ومواقع تاريخية تعود الى فترات مختلفة من التاريخ المصري.
وتسجل الكنيسة القبطية ضمن معالم إيبارشية ملوي كنيسة الأنبا يحنس الاثرية في دير أبو حنس، وكنيسة الأنبا قلتة الطبيب بالجبل، الى جانب دير البتول للراهبات ومواقع أخرى في المنطقة.
لماذا اسم كوم ماريا؟
اسم كوم ماريا ارتبط بالمكان الذي ينسب اليه التقليد الكنسي وجود العائلة المقدسة واستراحتها خلال رحلتها في مصر.
ولهذا لم يكن الهدف من المشروع مجرد انشاء مبنى جديد، وانما محاولة تحويل المكان الى نقطة يمكن للزائر ان يفهم من خلالها قصة رحلة العائلة المقدسة، ويرى كيف ارتبطت المنطقة بهذه الرحلة وما حولها من مواقع اثرية ودينية.
وهنا تظهر أهمية المشروع. فالفكرة ليست زيارة موقع منفرد، ولكن تقديم منطقة متكاملة يمكن ان تكون بوابة للتعرف على تاريخ ملوي ودير أبو حنس والمواقع المحيطة بهما.
كيف بدأ مشروع كوم ماريا؟
حصلت مطرانية ملوي للأقباط الارثوذكس على الموافقات اللازمة للبدء في مشروع المزار السياحي لمسار رحلة العائلة المقدسة في منطقة كوم ماريا، وتم الإعلان عن المشروع بشكل واضح في عام 2023.
وبحسب ما أعلنته ايبارشية ملوي وقتها، كان الهدف هو انشاء منطقة سياحية تاريخية تحمل فكرة مزار عالمي مرتبط برحلة العائلة المقدسة في مصر.
وفي يوليو 2024 بدأت بالفعل أعمال المشروع، وشهدت المنطقة وضع حجر الأساس بحضور الأنبا ديمتريوس مطران ملوي وأنصنا والأشمونين.
وواحدة من أهم النقاط في مشروع كوم ماريا أن الفكرة المعلنة تتجاوز فكرة الكنيسة أو المزار التقليدي، المشروع يضم عناصر تحاول تقديم رحلة العائلة المقدسة بطريقة مبسطة للزائر.
ومن بين العناصر التي جرى الإعلان عنها مجرى مائي يمثل النيل والدلتا، مع توضيح أهم المواقع التي مرت بها العائلة المقدسة، الى جانب مبنى على شكل خيمة يضم نماذج بالحجم الطبيعي لشخصيات العائلة المقدسة في وضع الاستراحة.
كما يتضمن المشروع خط سير لقطار صغير أو طفطف يحاكي مسار الرحلة، وقاعة عرض سينمائية، ومعرضا للصور والايقونات والخرائط، ومتحفا للمجسمات ونماذج للعملات والملابس التي كانت تستخدم في القرن الاول الميلادي.
كما يتضمن المشروع مناطق للاحتفالات، وبازارات ومنافذ لبيع الهدايا التذكارية، وحديقة للأطفال، بالإضافة إلى عناصر خدمية وإدارية.
والفكرة أن يدخل الزائر إلى المكان فيتعرف على قصة الرحلة، ويرى تمثيلا بصريا لها، ثم يستطيع الانتقال إلى المواقع التاريخية الموجودة في محيط المنطقة.
وما الذي يوجد حول كوم ماريا؟
فمنطقة دير أبو حنس وما حولها تضم مجموعة من المواقع القبطية والاثرية المهمة.
من بينها كنيسة الأنبا يحنس القصير الأثرية، وكنيسة الأنبا قلتة الطبيب المنحوتة في سفح الجبل، وهي من الكنائس التي ترتبط بتاريخ المنطقة وتضم أيقونات ورسومات جدارية.
كما توجد بالقرب من المنطقة مواقع تاريخية أخرى، منها آثار انصنا والأشمونين وتونة الجبل، ودير أبو فانا في الجبل الغربي، ودير البتول للراهبات، بالإضافة إلى عدد كبير من المواقع الأثرية التي تعكس تاريخ المنطقة عبر عصور مختلفة.
وهذا تحديدا ما يجعل فكرة كوم ماريا اكبر من مجرد مشروع منفصل.
الفكرة المعلنة أن تصبح كوم ماريا نقطة انطلاق لزيارة مجموعة من المواقع الدينية والاثرية الموجودة في محيط ملوي.
علاقة كوم ماريا برحلة العائلة المقدسة
رحلة العائلة المقدسة في مصر واحدة من الملفات التي تعمل وزارة السياحة والاثار على تطويرها سياحيا، باعتبارها تجمع بين البعد الديني والتاريخي والثقافي.
وتقول وزارة السياحة والآثار أن مسار رحلة العائلة المقدسة في مصر يضم نحو 25 نقطة رئيسية، وأن 14 نقطة منها جرى تطويرها وتأهيلها لاستقبال الزائرين، مع استمرار العمل على تطوير البنية التحتية والطرق ومراكز الزوار والخدمات المرتبطة بالمسار.
والأهمية هنا أن الرحلة ليست مجرد قصة دينية يتناقلها الناس، ولكنها ارتبطت على مدار قرون بمواقع وكنائس وأديرة ومغارات ومصادر مياه ومناطق أثرية ما زالت موجودة حتى اليوم.
ولهذا تسعى الدولة إلى تحويل هذه المواقع إلى منتج سياحي وروحي يمكن للزائر المصري والأجنبي التعرف من خلاله على جانب مهم من تاريخ مصر.
لماذا ملوي تحديدا؟
ملوي واحدة من المناطق الغنية جدا بالتراث في صعيد مصر، وفي نطاق الايبارشية توجد آثار انصنا والأشمونين وتونة الجبل ودير أبو حنس ومواقع قبطية اخرى، وهو ما يجعل المنطقة تجمع بين التراث المصري القديم والتراث القبطي والاثار الاسلامية في نطاق جغرافي واحد.
ومن هنا تأتي أهمية كوم ماريا، فالمشروع لا يحاول فقط إحياء ذكرى مرتبطة برحلة العائلة المقدسة، ولكنه يمكن أن يكون مدخلا للتعريف بتاريخ منطقة ملوي كلها.
زيارة البابا تواضروس تضع كوم ماريا في الواجهة
اختيار افتتاح المرحلة الأولى من مشروع كوم ماريا ليكون في بداية زيارة البابا تواضروس إلى إيبارشية ملوي يحمل أهمية خاصة.
فالزيارة التي تبدأ اليوم 15 سبتمبر وتستمر ثلاثة ايام تتضمن عددا من المحطات الدينية والخدمية والتاريخية، وتبدأ بافتتاح المرحلة الاولى من مشروع كوم ماريا في دير أبو حنس.
وفي اليوم التالي يتوجه البابا الى المطرانية للمشاركة في مراسم التدشين والقداس الإلهي، إلى جانب احتفالية كبرى، بينما تختتم الزيارة الخميس 17 سبتمبر بزيارة دير أبو فانا وتفقده وافتتاح الكنيسة الأثرية بعد أعمال الترميم والتأهيل.
وهكذا تصبح كوم ماريا أول عنوان كبير في زيارة بابوية تحمل في جانب منها رسالة واضحة عن أهمية الحفاظ على المواقع الدينية والتاريخية في ملوي وإحيائها.



