بعد 25 عاما من هجمات 11 سبتمبر.. المسلمون الأمريكيون على حبل مشدود بين اتهامات الإرهاب واقتحام المشهد السياسي.. ترامب يواصل التحريض.. وممداني يقود رحلة الخروج من دائرة الظل
بعد مرور 25 عاما على هجمات 11 سبتمبر 2001، يقف المسلمون في الولايات المتحدة على حبل مشدود، بين رؤى ترى أنهم "بدأوا يفرضون حضورهم بقوة في المشهد الأمريكي"، وأخرى تتعامل معهم باعتبارهم امتدادا لمنفذي تلك الهجمات"، وأنهم "جهاديون باتوا ينتخبون في كل مكان"، بحسب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
وفي السياق، رصدت الكاتبة السودانية المقيمة في لندن نسرين مالك، في مقال نشرته جريدة "ذا جارديان" البريطانية، حالتين مختلفتين لتعامل الصحافة الأمريكية مع المسلمين في ولاية نيويورك، والتي "باتت عالقة بين حقبتين زمنيتين"، بحسب المقال.
التقرير الأول –وفق مالك- نشرته مجلة "نيويورك" تحت عنوان "مدينتي الحبيبة"، مشيرة إلى أن "نيويورك تشهد تحولا ثقافيا تقوده مجموعة من سكان المدينة الذين بدأوا يفرضون حضورهم بقوة"، موضحة أن "هذا الجيل الجديد ينحدر من منطقة سوانا، في إشارة إلى أصولهم الشمال أفريقية والجنوب غرب آسيوية، والتي تضم بلدانا تمتد من فلسطين وإيران وصولا إلى السودان".

أما التقرير الثاني، فنشرته مجلة "فانيتي فير"، واصفة الدعوات الموجهة لعمدة مدينة نيويورك زهران ممداني بعدم حضور مراسم إحياء ذكرى 11 سبتمبر بأنها تستند جزئيا إلى دوافع "عاطفية وغير ناضجة"، حيث ينظر إلى "أول عمدة مسلم للمدينة" وكأنه يمثل امتدادا لأولئك المسلمين الـ19 الذين اختطفوا أربع طائرات وحولوها إلى أسلحة فتاكة، في إشارة إلى أن أصحاب تلك الدعوات يحسبون ضمن فئة "هؤلاء الذين هاجمونا".
حضور لافت للمسلمين في المشهد الأمريكي
تقول مالك: تجسد هذه التقارير مجتمعة ما تغير على مدار جيل كامل، وما ظل ثابتا حتى اللحظة. إذ نجح أفراد الجاليات ذات الخلفية الإسلامية في تحقيق اختراقات واكتساب ما تصفه مجلة "نيويورك" بـ"النفوذ"؛ حيث لم يعودوا مجرد حضور مألوف في المتاجر الصغيرة وعربات بيع الطعام الحلال، بل أصبحوا جزءا من برامج شهيرة مثل "ساترداي نايت لايف"، ومشاهد المطاعم الراقية، وأماكن الترفيه، والعمل السياسي أيضا. ويعد ممداني تعبيرا عن هذه المجموعة وقوة دافعة للاعتراف بها كقوة صاعدة تهتم بشدة بمجتمعاتها المحلية، وكذلك بأهالي غزة وما وراءها.
وتضيف: كما أن النشأة في ظل ظاهرة "الإسلاموفوبيا" تعد تجربة أخرى لتكوين شخصية مسلكي الولايات المتحدة؛ حيث دفعت هذه الظاهرة الكثيرين إلى تعريف أنفسهم بناء على خلفيتهم الدينية بدلا من العرق أو الأصل القومي.

وفي هذا السياق، ترصد مالك تصريحات الكوميدي الأمريكي رامي يوسف -في فقرة كوميدية ارتجالية أصبحت شهيرة للغاية، قائلا: "بطريقة ما، جعلتني أحداث 11 سبتمبر أكثر تمسكا بهويتي الإسلامية؛ لأنني ووجهت باتهامات تحملني مسؤولية ما حدث".
وتقول: إنها قصة يجد الكثيرون -وأنا منهم- صدى كبيرا لها في تجاربهم الشخصية؛ إذ تحولت الهوية الدينية العفوية وغير المتكلفة إلى هوية سياسية حادة ومحددة المعالم خلال سنوات "الحرب على الإرهاب".
دونالد ترامب يواصل التحريض
وفي مفارقة لافتة، تشير الكاتبة ذات الأصول السودانية إلى أنه في الوقت الذي كان فيه الجيل الجديد من المسلمين يكتسبون قوة سياسية واجتماعية، كانت ظاهرة "الإسلاموفوبيا" -التي بدأت عام 2001- تزداد توغلا في نسيج المجتمع الأمريكي. فقد أظهرت دراسة لمركز "بيو" للأبحاث أنه بعد مرور ربع قرن على هجمات 11 سبتمبر، أصبحت مواقف الرأي العام تجاه الإسلام "أكثر سلبية" و"أكثر انقساما على أسس حزبية" مقارنة بما كانت عليه في أعقاب الهجمات مباشرة.

وتضيف: في مارس 2002، كان 25% من البالغين الأمريكيين يعتقدون أن الإسلام "أكثر ميلا من الأديان الأخرى إلى التحريض على العنف"، أما اليوم فقد تضاعفت هذه النسبة لتصل إلى 51%. ولهذا السبب، يمكن النظر إلى ممداني باعتباره ممثلا لمنفذي الاختطاف (رغم أنه كان في التاسعة من عمره وقت وقوع هجمات 11 سبتمبر)، كما يمكن وصف المرشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ عن ولاية ميشيجان عبد الرحمن السيد بأنه "إرهابي" على لسان السيناتور تومي توبرفيل. بل إن عضوة الكونجرس الديمقراطية نانسي ميس صرحت بأن "كل مسلم يشغل منصبا عاما في أمريكا" يمثل "تهديدا للأمن القومي ولجمهوريتنا". وزعم دونالد ترامب أن "الجهاديين باتوا ينتخبون في كل مكان".
مواسم الغضب تكشف مأزق اليمين الأمريكي
وتنقل الكاتبة في مقالها عن روزينا علي، مؤلفة كتاب "مواسم الغضب، وهو دراسة تتناول تاريخ الإسلاموفوبيا في الولايات المتحدة، قولها: إن الإسلاموفوبيا المعاصرة لا يمكن فصلها عن فشل أوسع نطاقا للسياسة الأمريكية، سواء على الصعيد الداخلي أو الخارجي؛ فقد تحولت "الحرب على الإرهاب" إلى مأزق خارجي شائك، بينما شهد الداخل أزمة مالية أدت إلى فقدان الملايين لمنازلهم ومدخراتهم.
وتشير علي إلى أن أحد أسباب توظيف اليمين لخطاب الإسلاموفوبيا هو أن "الكثير من هذه الأمور يمكن تفسيرها من خلال ما يسمى بغزوات الأجانب أو الثقافة الأجنبية، كالإسلام"، مضيفة أن "تيار اليمين لا يملك – ببساطة- رؤية فعالة لهذا البلد قادرة حقا على معالجة الكثير من المشكلات والأزمات الأمريكية".
الخروج من دائرة الظل
تقول مالك: لم يعد المسلمون في الولايات المتحدة يكتفون المسلمين بالبقاء في الظل وتجنب الأنظار، بل باتوا يمثلون تيارا سياسيا تقدميا أوسع نطاقا؛ إذ يعمل المرشحون السياسيون والشخصيات الثقافية على حشد كتل كبيرة من الناخبين والمؤيدين، مستندين في ذلك إلى رؤية للعالم تشكلت بفعل تجارب عميقة من التهميش. وبوسعهم إرساء دعائم رؤيتهم السياسية على قضايا ملموسة تتعلق بمستويات المعيشة والسياسات الخارجية غير الشعبية، فضلا عن إبراز الجانب الإنساني لتبعات رد الفعل السياسي العنيف ضد المسلمين ودمج هذه القضية في صلب السردية الأمريكية. كما أنهم قادرون على توحيد تحالف واسع من الناس، نظرا لأن هؤلاء أيضا يتقاسمون معهم تجربة الوقوف في الجانب الخاسر بمواجهة المؤسسة السياسية الأمريكية القائمة حاليا.
وتخلص الكاتبة ذات الأصول السودانية في مقالها، إلى أنه "على الرغم من كل عبارات الكراهية والتحريض التي يطلقها اليمين، لم تفلح الدعاية المعادية للمسلمين في الحيلولة دون تشكل هذه الروابط. ففي مراسم إحياء ذكرى هجمات 11 سبتمبر التي أقيمت في عطلة نهاية الأسبوع الماضي، صافح ممداني -بكل رزانة ورقي- رودي جولياني؛ وهو الرجل الذي كان يشغل منصب عمدة نيويورك وقت وقوع الهجمات، ضاربا عرض الحائط بالدعوات التي طالبته بعدم حضور تلك المراسم، في مشهد جمع بين إرث الماضي، واستشراف المستقبل.




