رئيس التحرير
عصام كامل

ماذا يحدث للدولار والأموال الساخنة في مصر حال رفع الفائدة الأمريكية؟

الدولار والجنيه
الدولار والجنيه
18 حجم الخط

تترقب الأسواق العالمية اجتماع الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي المقرر يومي 15 و16 سبتمبر الجاري، وهو الاجتماع السادس للجنة السوق المفتوحة خلال عام 2026، وسط انقسام في التوقعات بشأن اتجاه أسعار الفائدة، وفي وقت لا تزال فيه مستويات التضخم الأمريكي وأسعار الطاقة تضع صانعي السياسة النقدية أمام خيارات صعبة.

قرار الفيدرالي الأمريكي حول أسعار الفائدة

وفي ظل الترقب العالمي لقرار الفيدرالي الأمريكي حول أسعار الفائدة، فإن هناك العديد من التساؤلات حول مدى تأثير قرار رفع الفائدة على الأسواق المصرية، وبالتحديد الأموال الساخنة وسعر الدولار أمام الجنيه، وهذا لأنه عادة ما يؤدي رفع الفائدة الأمريكية إلى زيادة جاذبية الأصول المقومة بالدولار، خصوصا سندات الخزانة الأمريكية، إذ يصبح المستثمر أمام عائد أعلى مقابل الاحتفاظ بأصول بالدولار.

ويأتي هذا في الوقت الذي يسعى فيه المستثمرين العالميين إلى المقارنة بين الأسواق الناشئة للحصول على أعلى عائد من استثماراتهم، ناهيك عن مدى المخاطر التي قد يتعرضون لها في حالة الاستمرار في هذه الأسواق، وعلى الجانب الآخر المكاسب التي قد يحصلون عليها عند الدخول في السوق الأمريكية، ومن خلالها يتخذون قراراتهم وفقا لذلك.

وفي حال رفع الفيدرالي الفائدة، أو أرسل إشارات إلى استمرار السياسة النقدية المتشددة لفترة أطول، فقد يزداد الطلب على الدولار، بما يدعم العملة الأمريكية أمام عملات الأسواق الناشئة، حيث ظهرت بالفعل حساسية الدولار تجاه توقعات السياسة النقدية الأمريكية، إذ ارتفع الدولار في وقت سابق من سبتمبر بعد بيانات وظائف أمريكية جاءت أقوى من المتوقع، وسط ترقب بيانات التضخم وقرار الفيدرالي.

كيف تؤثر ارتفاع الفائدة الأمريكية على الجنيه المصري؟

بالنسبة إلى مصر، فإن قوة الدولار عالميا لا تعني قفزة مماثلة في سعره أمام الجنيه، لكن ارتفاع الدولار عالميا قد يزيد الضغوط على العملات الناشئة، خصوصا إذا صاحبه خروج جزء من استثمارات الأجانب في أدوات الدين المحلية، والسبب أن المستثمر الأجنبي الذي يشتري أذون وسندات الخزانة المصرية لا ينظر إلى العائد المحلي فقط، وإنما يحسب أيضا تكلفة ومخاطر العملة والعائد الذي يستطيع الحصول عليه في الأسواق العالمية، وبالتالي إذا ارتفع العائد على الأصول الأمريكية، فقد تصبح بعض الاستثمارات في الأسواق الناشئة أقل جاذبية نسبيا، حتى لو ظلت أسعار الفائدة المحلية أعلى بكثير من نظيرتها الأمريكية.

وتظهر بيانات البنك المركزي المصري أن متوسط العائد المرجح على أذون الخزانة المصرية لأجل قصير بلغ نحو 24.55% في عطاء 10 سبتمبر، وهو مستوى يعكس الفارق الكبير في العائد بين السوق المصرية والأمريكية.

هل تهرب الأموال الساخنة من مصر؟

من المعروف أن الأموال الساخنة هي استثمارات أجنبية سريعة الحركة، تدخل عادة إلى أدوات الدين والأسواق المالية بحثا عن عائد مرتفع، ويمكنها الخروج بسرعة عندما تتغير معادلة العائد أو المخاطر، ولذلك فإن رفع الفائدة الأمريكية لا يعني بالضرورة خروج هذه الأموال من مصر بصورة جماعية، لكنه قد يزيد احتمالات إعادة تقييم المستثمرين لمراكزهم.

ويصبح الأمر أكثر وضوحا إذا اجتمع رفع الفائدة الأمريكية مع عوامل أخرى، مثل ارتفاع المخاطر الجيوسياسية، أو تراجع الثقة في الأسواق الناشئة، أو توقعات انخفاض قيمة العملة المحلية.

وتملك مصر تجربة حديثة مع سرعة تحرك هذه التدفقات، فقد أشارت بيانات منشورة في يوليو الماضي، إلى خروج نحو 11 مليار دولار من الأموال الساخنة من مصر خلال مارس، مع تراجع حيازات الأجانب من أذون وسندات الخزانة، وفي المقابل، أظهرت بيانات حديثة أن أدوات الدين المصرية لا تزال قادرة على جذب تدفقات أجنبية، ما يؤكد أن قرار المستثمر لا يرتبط بالفائدة الأمريكية وحدها، وإنما بمقارنة العائد والمخاطر والعملة في كل سوق.

لماذا قد لا يكون التأثير كبيرا؟

رغم أن رفع الفائدة الأمريكية قد يمثل ضغطا على الأسواق الناشئة، فإن التأثير على مصر يعتمد على حجم الزيادة، وما إذا كانت مفاجئة أم مسعّرة بالفعل، ونبرة الفيدرالي بشأن الاجتماعات المقبلة، فإذا رفع الفيدرالي الفائدة بمقدار محدود وكان القرار متوقعا في الأسواق، فقد يكون جزء كبير من تأثيره قد انعكس بالفعل على أسعار الدولار والسندات قبل صدور القرار.

وتكمن المفاجأة الحقيقية بالنسبة للمستثمرين، في حالة رفع الفائدة مع إشارة الفيدرالي إلى احتمال المزيد من الزيادات، لأن ذلك قد يدفع المستثمرين إلى زيادة مراكزهم بالدولار وتقليص تعرضهم لبعض الأسواق الناشئة.

سيناريوهات الدولار في مصر

هناك عدة سيناريوهات لمدى تأثر الدولار الأمريكي في السوق المصري، عند لجوء الفيدرالي لرفع أسعار الفائدة، السيناريو الأول يتمثل في ارتفاع الدولار أمام الجنيه نتيجة زيادة الطلب على العملة الأمريكية أو خروج جزء من التدفقات الأجنبية، لكن تحرك سعر الصرف لن يتحدد بقرار الفيدرالي وحده، فالعرض والطلب على الدولار داخل السوق المصرية، وتدفقات تحويلات المصريين بالخارج، وإيرادات السياحة، والاستثمار الأجنبي، وحركة التجارة، وحجم التدفقات إلى أدوات الدين، كلها عوامل تؤثر في سعر الصرف.

أما السيناريو القاني، فإنه يشير إلى رفع الفيدرالي للفائدة، مع خروج الأموال الساخنة، وهذا يعتبر ضغط كبير على الجنيه، نتيجة ارتفاع الطلب على الدولار في مصر، بينما يقل المعروض الناتج عن تحويل المستثمرين الأجانب استثماراتهم من الجنيه إلى الدولار قبل تحويلها إلى الخارج، ويعتمد أيضا هذا السيناريو على مدى قدرة السوق المصرية على استيعاب هذه التدفقات الخارجة وعلى مصادر النقد الأجنبي الأخرى.

وماذا لو ثبت الفيدرالي الفائدة؟

على الجانب الآخر، فإن تثبيت الفائدة الأمريكية، خصوصا إذا صاحبه خطاب يميل إلى التيسير أو يشير إلى إمكانية خفض الفائدة مستقبلا، قد يقلل الضغط على الأسواق الناشئة، ويدعم ذلك تدفق الأموال إلى الأسواق التي تقدم عوائد أعلى، ومن بينها أدوات الدين المصرية، بشرط استمرار تحسن الثقة واستقرار سعر الصرف.

يدخل السوق المصري اجتماع الفيدرالي الأمريكي وهو يراقب ثلاثة مؤشرات رئيسية، تتمثل في الدولار، وعوائد أدوات الدين الأمريكية، وحركة الأموال الأجنبية في أذون وسندات الخزانة المصرية، وفي حال رفع الفيدرالي الفائدة، فإن السيناريو الأبرز يشير إلى دولار أقوى، وضغوط أكبر على عملات الأسواق الناشئة، واحتمال تراجع جاذبية بعض الاستثمارات قصيرة الأجل في مصر.

الجريدة الرسمية