رئيس التحرير
عصام كامل

التضخم يتراجع والغلاء لا ينتهي فمتى يشعر المواطن بانخفاض الأسعار؟.. خبراء: "منفذ حكومي بكل مركز "صمام أمان".. زيادة الإنتاج والمنافسة كلمة السر

التضخم، فيتو
التضخم، فيتو
18 حجم الخط

لم يعد السؤال الذي يشغل المواطن المصري خلال الفترة الحالية هو فقط هل يتراجع  التضخم؟ وانما أصبح السؤال الاكثر إلحاحا: متى تنخفض الأسعار التي يدفعها المواطن بالفعل؟، فالأرقام التي تشير إلى تباطؤ معدلات التضخم لا تعني بالضرورة أن أسعار السلع والخدمات بدأت في التراجع، وانما تعني في الأساس أن سرعه إرتفاع الأسعار أصبحت أقل، وهنا تظهر الفجوة بين المؤشرات الاقتصادية وشعور الأسر بتكلفة المعيشة، فالمواطن لا يتعامل مع معدل التضخم وانما مع السعر الذي يدفعه عند شراء الغذاء او دفع فاتوره الخدمات او تلبيه احتياجات أسرته.

ومع دخول معركة الأسعار مرحلة جديدة، تبرز تساؤلات حول آليات تحويل تباطؤ التضخم إلى انخفاض فعلي ومستدام في تكلفة المعيشة، ودور الدولة في ضبط الأسواق، ومن بينها مقترح إنشاء منفذ حكومي واحد على الأقل في كل مركز من مراكز الجمهورية لتوفير السلع الأساسية بأسعار تتناسب مع القدرات الشرائية لمختلف الفئات.

التضخم، فيتو
التضخم، فيتو

التضخم ينخفض.. والأسعار لا تعود للخلف

وفي هذا السياق، يؤكد محمد شفيق، الخبير الاقتصادي، أن هناك فارقا جوهريا بين تراجع معدل التضخم وبين انخفاض الأسعار نفسها، موضحا أن تباطؤ التضخم يعني استمرار ارتفاع الأسعار ولكن بوتيرة أقل، بينما يحدث الانخفاض الفعلي عندما تتراجع تكاليف الإنتاج أو الاستيراد بصورة حقيقية أو يزيد المعروض من السلع بما فوق حجم الطلب.

وأشار إلى أن العوده الى مستويات الأسعار القديمة ليست أمرًا تلقائيا، خاصة بعد ان تحولت الارتفاعات السابقة إلى مستويات سعرية جديدة،  لافتا إلى أن حدوث انخفاض ملموس يحتاج الى مجموعة من العوامل، من بينها استقرار سعر الصرف، وتراجع تكاليف الانتاج، والنقل والطاقه وانخفاض أسعار السلع العالمية وزيادة الإنتاج المحلي فضلا عن إرتفاع المنافسه بين المنتجين والتجار.

الدولار مفتاح مهم ولكن انخفاضه لا يعني خفض الأسعار فورا

ويظل سعر الصرف أحد أهم مفاتيح معادلة الأسعار في الاقتصاد المصري نظرا لاعتماد قطاعات واسعة بصورة مباشرة او غير مباشرة على مدخلات إنتاج مستوردة.


ويرى شفيق أن إرتفاع سعر الدولار لا يؤثر فقط على السلع المستوردة وانما ينتقل أثره إلى المواد الخام ومستلزمات الإنتاج والنقل وغيرها من عناصر التكلفة.

مشيرًا إلى أن إنخفاض سعر الدولار أيضا لا يعني بالضرورة إنخفاض الأسعار في اليوم التالي إذ قد تكون لدى التجار مخزونات تم شرائها بتكلفة مرتفعة إلى جانب استمرار تكاليف التمويل والنقل والعماله وهو ما يخلق فجوة زمنية بين تحرك سعر الصرف وبين انعكاسه على السعر النهائي للمستهلك.


الفائدة.. علاج للتخضم وتكلفة على الإنتاج

ولا تنفصل معركة التضخم عن السياسة النقدية، فرفع اسعار الفائده يمكن أن يساهم في كبح الطلب والسيولة وتشجيع الادخار لكنه في الوقت نفسه يرفع تكلفة الاقتراض بالنسبة للشركات والمصانع.

وتنعكس تكلفة التمويل المرتفع على شراء المواد الخام وتمويل المخزون وتشغيل المصانع والتوسع والإستثمار وقد ينتقل جزء منها في النهاية للمستهلاك.

ومن ثم فإن خفض الفائدة يصبح أكثر ملائمه عندما يكون التضخم في مسار هبوطي مستدام وليس مجرد تسجيل تراجع مؤقت في أحد المؤشرات.

الغذاء.. المؤشر الذي يشعر به المواطن سريعا

وتبقى أسعار الغذاء هي المعركة الأكثر أهمية بالنسبة للمواطن نظرا لثقلها داخل ميزانية الأسرة

ويرى الخبير الاقتصادي أن معالجة الأسعار لا يجب ان تركز فقط على السعر البيع النهائي، وانما على سلسلة القيمة بالكامل فالسلعة لا تنتقل من المنتج الى المستهلك في خطوة واحدة وانما تمر غالبا بعده مراحل من النقل والتخزين والوساطه والتوزيع وكل حلقه تضيف تكلفة وهامش ربح.

وأوضح في تصريح خاص لـ “فيتو” أن  تقليل حلقات الوساطه وتحسين منظومه النقل والتخزين وربط المنتج بالمستهلك بصورة أكثر مباشرة يمكن أن يسهم في خفض السعر النهائي دون الحاجة الى تقديم دعم حكومي مباشر لكل وحده مباعة.

وهنا تظهر فكرة إنشاء منفذ حكومي واحد على الأقل في كل مركز من مراكز الجمهورية لتوفير السلع الأساسية بأسعار تتناسب مع القدرات الشرائية لمختلف فئات الشعب، واوضح ان الفكره يمكن ان تمثل اداه مهمه لضبط الاسواق وتوفير شبكه امان للمواطن لكن نجاحها لا يتوقف على عدد المنافذ التي يتم افتتاحها وانما على طريقه ادارتها ومصدر السلع التي توفرها.


ويشير شفيق الى ان المنفذ اذا كان يشتري من نفس الوسيط بنفس الاسعار التي يشتري بها القطاع الخاص، ثم يتحمل تكاليف النقل والاداره والتشغيل فقد يتحول الى دعم مكلف محدود التاثير انما اذا كان جزءا من منظومه شراء وتوزيع مركزيه تعتمد على التوليد المباشر من المنتج وتقلل حلقات الوساطه فان تاثيره يمكن ان يكون اكبر بكثير من خلال تقديم سعر منافس وضغط الأسعار في السوق.

منفذ واحد لا يكفي لمحاربة التضخم

ويؤكد الخبير الاقتصادي ان وجود منفذ واحد في كل مركز يمكن أن يكون مؤثرا كأداة المنافسة وضبط الاسعار لكنه لا يمكن أن يكون حلا منفردا لازمه التضخم فالارتفاعات السعرية قد تكون مرتبطه بنقص الإنتاج او إرتفاع تكلفة الاستيراد أو زيادة تكاليف النقل والطاقة والتمويل وهي عوامل تتجاوز قدرة المنافذ الحكومية وحدها.

وفي هذا السياق، يرى شفيق، أن النموذج الأكثر فاعلية يمكن أن يجمع بين المنافسة السعرية من خلال المنافذ الحكومية والدعم النقدي الموجهة للفئات الأكثر احتياجا والرقابة القوية على الأسواق فدعم السلعة بصورة عامة قد يستفيد منه الغني والفقير بينما يوجه الدعم النقدي بصورة مباشرة الى الأسر المستحقه وأن كانت المشكله أن ارتفاع التضخم قد يؤدي الى تأكل القيمة الحقيقية لهذا الدعم بمرور الوقت، ومن هنا تبرز أهمية الجمع بين حماية الفئات الأكثر احتياجا وزيادة المعروض وتشجيع المنافسة بدلا من الاعتماد على أداة واحدة


لماذا ترتفع الأسعار سريعا ولا تنخفض بالسرعة نفسها؟

ويفسر "محمد" ظاهرة بطء انخفاض الأسعار مقارنة بسرعة ارتفاعها بأنها مرتبطه بعدة عوامل أبرزها وجود مخزونات تم شرائها بتكلفة مرتفعة وارتفاع تكلفة التمويل ورغبة المنتج او التاجر في الحفاظ على هامش الربح إلى جانب توقع عودة التكلفة للارتفاع مرة اخرى كما انخفاض التكلفة لا ينتقل بالضرورة فورا عبر جميع حلقات سلسلة التوزيع ولهذا فان زيادة المنافسة والشفافية قد تكون أكثر فاعلية من مجرد مطالبة التجار بخفض الأسعار لأن وجود أكثر من مصدر للسلع بأسعار مختلفه يضغط بصورة مباشرة على طبيعة هوامش الربح.

خالد الشافعي: المنافذ حل للتخفيف وليست علاجا جذريا


ومن جانبه، يرى الدكتور خالد الشافعي، الخبير الاقتصادي، أن التفرقة بين تباطؤ التضخم وانخفاض الأسعار الفعلي امر أساسي لفهم المشهد الحالي،  موضحا أن انخفاض معدل التضخم يعني أن الأسعار ترتفع بمعدل أبطأ وليس بالضرورة أنها تنخفض، بينما يحدث التراجع الفعلي عندما تنخفض تكاليف الإنتاج او أسعار المواد الخام ومستلزمات الإنتاج او يرتفع المعروض المحلي بصورة كبيرة

الدكتور خالد الشافعي الخبير الاقتصادي، فيتو
الدكتور خالد الشافعي الخبير الاقتصادي، فيتو


وأشار إلى أن هذا التراجع قد يحتاج إلى فترة زمنية تمتد من عده أشهر وقد تطول وفقا لطبيعة كل سلعة خاصة مع حاجة الأسواق الى التخلص من المخزونات مرتفعة التكلفة وبدء دورات إنتاج جديدة بأسعار أقل.

زيادة الإنتاج هي كلمة السر

وأكد الشافعي أن إنشاء منافس حكومية في مختلف المراكز يمثل خطوة  تخفيفية مهمه واداة للحماية الاجتماعية وضبط الأسواق لكنه لا يمثل حلا جذريا أو كاملا لازمه التضخم.

واوضح ان نجاح المنافذ يرتبط بقدرتها على توفير السلع باسعار اقل وتقليل حلقات الوساطه مع ضروره وجود رقبه قويه لضمان وصول السلع المنخفضة الى المواطنين وعدم تسربها إلى السوق السوداء.

وشدد على أن معالجة التضخم بصورة مستدامة تتطلب زيادة الإنتاج المحلي الزراعي والصناعي وتوفير مستلزمات الإنتاج وتعميق التصنيع المحلي وتحسين سلاسل الإمداد إلى جانب استقرار سوق الصرف وتوافر النقد الاجنبي


الانفراجة الحقيقة تحتاج أكثر من شهر

ويرى أن المواطن لن يشعر بانفراجة حقيقية بمجرد تسجيل التضخم انخفاضا لشهو واحد، وانما عندما تتحول هذه المؤشرات إلى استقرار مستمر ثم انخفاضات فعلية ومتتالية في أسعار مجموعة واسعة من السلع الأساسية، فالسيناريو الأكثر واقعية ليس انخفاضا عاما وفوريا لكل الأسعار وانما استقرار أولا ثم تباطؤ في الزيادات ثم انخفاض تدريجي وانتقائي في أسعار بعض السلع بحسب طبيعه كل سوق وتكلفة إنتاجها

وفي النهاية فإن إنشاء منفذ حكومي في كل مركز يمكن أن يكون "صمام أمان سعري" واداه مهمه لزيادة المنافسة لكنه لن يحل بمفردة وأزمة التضخم فالمعركة الحقيقية تمتد من سعر الدولار وتكلفة التمويل إلى حجم الإنتاج المحلي والنقل والطاقة والتخزين وصولا الى عدد حلقات الوساطة والمنافسة داخل الأسواق، فالهدف ليس فقط ان ينخفض معدل التضخم على الورق وإنما أن يشعر المواطن بانخفاض تكلفة المعيشة في حياته اليومية وهنا تحديدا يبدأ الاختبار الحقيقي لنجاح معركة الأسعار.

الجريدة الرسمية