من "علقة الفلكة" إلى مقعد الدراسة.. ذكريات النجوم والمفكرين مع أول يوم مدرسة
ذكريات الدراسة وأيام المدرسة، خاصة اليوم الأول للدراسة، هي ذكريات لا يمكن أن يمحوها الزمن، تظل في الذاكرة بما يحدث فيها من مفارقات، حزينة أم جميلة، ولمفكرينا وأدبائنا ذكريات يسجلونها في كتاباتهم وأحاديثهم، فمن ذكريات اليوم الأول لدى بعضهم نستعرض.
قال الأديب نجيب محفوظ: اليوم الأول للدراسة يوم لا يمكن نسيانه، بدأت الدراسة بالكتاب وكنت أكره الذهاب إليه بسبب قسوة شيخ الكتاب، وكان الكتاب زي السجن، أي هفوة العصا تنزل على إيدي. الوضع تغير من أولى ابتدائي، كنت لا أنام ليلة أول يوم دراسي في انتظار طلوع النهار وارتداء البدلة الجديدة والطربوش والمصروف اليومي الذي كان يبلغ قرش صاغ، وحتى الآن ما أن تحل أيام الدراسة حتى تعود بي الذاكرة إلى مدرستي في حي الجمالية، حيث زملاء الطفولة، ثم حي العباسية حيث المدرسة الثانوية، حيث كان إحسان عبد القدوس زميل تختة واحدة من أولى ابتدائي. ابتديت أجتهد وأحصل على قدر من التفوق كويس، استمر معايا في كل حياتي المدرسية.

وأضاف محفوظ: أحب حصتي الرياضيات واللغة العربية، فيما تكونت عقدة لدي من مادة الجغرافيا، كنت تلميذًا وطلب مني مدرس الجغرافيا استخراج واحة سيوة من الخريطة الكبيرة التي أمامه، تاهت عيني في الخريطة، فجأة المدرس ضربني بالعصا على إيدي، هذه الضربة جعلت بيني والجغرافيا.
بداية الأبنودي في مدرسة المحطة
وقال الشاعر عبد الرحمن الأبنودي: أول سنة دراسية كانت نوعًا من الكوميديا السوداء، كانت المدرسة اسمها مدرسة المحطة، وهي مدرسة خشبية أقيمت بجوار محطة قنا للقطارات، ومن هنا جاءت التسمية. كنا نلبس شورتًا، ولن أصف لكم جمال جسدي، وبالذات الساق والركبتين اللتين كانتا مثار سخرية من أصدقائي وأقاربي، كما كنا نلبس طربوشًا له زر أسود ينقطع يوميًا، وأضاف الأبنودي في حواره: "أذكر أني دفعت نصف قرش لولد يجلس إلى جوار الشباك لكي أجلس مكانه وأرى المحطة مباشرة، وأمضيت العام الأول بأكمله في مراقبة حركة القطارات والبشر.. وكنت أعيش تناقضًا غريبًا بين مادتي اللغة العربية والحساب، إذ كنت أقرأ كتب اللغة العربية قبل المدرسة بأسبوع لمرة واحدة فأحفظها عن ظهر قلب، ولم أذهب بكتب اللغة العربية مرة واحدة إلى المدرسة، وكان المدرس مجرد أن ينتهي من القراءة يطلب مني إعادة ما قرأه فأفعل دون أن أمسك كتابًا."
الحساب عدو الأزل
وتابع الشاعر الكبير قائلًا: "أما الحساب فقد كان عدوي الأول والأكبر الذي أعاقب بسببه كل صباح في عز البرد، وكان المدرس لا يمل من ضربي بسن المسطرة على ظهر أصابعي، فتظل تؤلمني حتى آخر اليوم، أما بخصوص زملائي وأصدقائي فقد كانت دفعة متميزة، تخرج من فصلي أدباء موهوبون منهم الشاعران أمل دنقل ومصطفى الضمراني، والسيناريست الكبير محمد صفاء عامر، إلى جانب مجموعة أخرى تركت مواهبها الأدبية إلى مهن أخرى".
أطلق على مدرس التاريخ العبقري
قال المفكر الدكتور عبد الوهاب المسيري: لا أحد يصدق أني كنت أكره المدرسة لدرجة أنني رفضت الذهاب إلى المدرسة الابتدائية في أول أسبوع، لكن مع شدة والدي وضغط والدتي تم إجباري على الذهاب إلى مدرسة دمنهور الابتدائية، وكنت أنتظر يوم الجمعة والإجازات بفارغ الصبر للتخلص من عبء الذهاب إلى المدرسة، وكنت طالبًا فاشلًا ورسبت في السنة الرابعة الابتدائي، مما عرضني لعقوبات أسرية ضخمة وصلت إلى حرماني من مصروفي اليومي طوال سنوات رسوبي، أعترف أني لم أحب التعليم إلا في الثانوية العامة، حينما أطلق عليَّ مدرس التاريخ لقب "العبقري"، وكان يشجعني على الدراسة.

وقال المفكر الدكتور مصطفى محمود: لا أستطيع أن أنسى اليوم الأول للدراسة، كان يومًا صعبًا جدًا بما فيه من دراما ومواقف، خاصة أنني كنت أتعب وأتعرض للمرض كثيرًا، رفضت الذهاب إلى المدرسة في أول يوم للدراسة، ولما غصبوني على الذهاب ذهبت لحضور حلقات الذكر والمولد وابتهالات المتصوفة والدراويش في مولد السيد البدوي، ولا أعلم من أخبر والدي بعدم ذهابي إلى المدرسة، ولكني أذكر أنني تعرضت لعلقة ساخنة بالفلكة، مما زاد من كراهيتي للمدرسة، وجاء والدي معي في اليوم التالي ليطمئن على ذهابي إلى المدرسة، وشدد على المدرسين بالضغط عليَّ وضربي إذا لزم الأمر لإجباري على الحضور، فكرهت المدرسة ولم أحبها إلا عندما دخلت الثانوي.
بدأ مفيد فوزي بصحيفة الحائط
وقال الكاتب الصحفي مفيد فوزي: رغم أني ولدت في بنها، إلا أنني عشت في بني سويف فترة طويلة، وكنت أحلم بشيء اسمه الصحافة، وبدأت حياتي في المدرسة بصحيفة الحائط، وكنت أحب في المدرسة، لكن من طرف واحد، لكن أهلي كانوا يعتقدون أن حلاقة الشعر كان معناها الأدب والاحترام، هكذا نظر أبي إلى معنى الرجولة.
الكاتب أسامة أنور عكاشة يقول: طوال طفولتي كنت شبه مقيم في مكتبة والدي، وفي المدرسة الثانوية كانت لحظة اكتشاف الموهبة، فقد كنت أكتب القصص بشكل تلقائي، ووجهني مدرس اللغة الإنجليزية إبراهيم قاسم إلى القواعد والأصول الفنية لكتابة القصة القصيرة عن طريق قراءة ودراسة أعمال تشيكوف، فكان نهمي بقراءته.
كتاب الشيخ السعدني
وقال المفكر محمود أمين العالم: التحقت بكتاب الشيخ السعدني في حي السكرية وحفظت القرآن الكريم، ثم دخلت مدرسة الدرب الأحمر الابتدائية، لكني كنت أحب مناقشة أساتذتي فيما يقولونه، مما كان يضايقهم، فكانوا يتعمدون السخرية مني أمام زملائي، مما يدفعني إلى مزيد من القراءة والاطلاع، وكان الرئيس جمال عبد الناصر زميل دراسة لي.
ليس لي نشاط غير الطب
قال عالم الطب الدكتور أحمد شفيق: حصلت على الثانوية قبل إتمام 15 سنة، وتوسم فيَّ أستاذي أيوب زهران أن أصبح رسامًا وأنا في الابتدائية، وأراد أن يضمني إلى جماعة الرسم بالمدرسة، وعندما أبلغت أمي قالت لي: "أنت مش نافع، لازم تطلع دكتور وبلاش تعمل زي بتوع الكورة اللي لم يكملوا تعليمهم"، ومن يومها وأنا ليس لي نشاط غير الطب.
