الدكتور محمد فوزي عبد العال يكتب: زلزال دبلوماسي يهز العالم العربي.. قطيعة الجزائر والإمارات تفتح أبواب «حرب النفوذ» وتعيد رسم خريطة الشرق الأوسط
رصد الأستاذ الدكتور محمد فوزي عبد العال، أستاذ الطب النفسي بكلية الطب جامعة أسيوط، في مقال مطول التداعيات المقلقة لقرار الجزائر بقطع العلاقات الدبلوماسية مع الشقيقة العربية الإمارات، محذرا من دخول المنطقة في مرحلة حرب النفوذ.. وقال في مقال تنشره بوابة «فيتو» لوصول صوت الحكمة الذي يطرحه إلى صناع القرار.. فإلى نص المقال.
الجزائر والإمارات
أعلنت الجزائر، في 10 سبتمبر 2026، قطع علاقاتها الدبلوماسية مع دولة الإمارات، مؤكدة أنها استنفدت السبل المتاحة للحفاظ على العلاقات الثنائية، من دون تقديم شرح تفصيلي فوري لأسباب القرار. ولا تمثل الخطوة مجرد إغلاق للسفارات أو سحب للدبلوماسيين؛ بل تحول حاد قد تمتد ارتداداته من شمال أفريقيا إلى الخليج ومنطقة الساحل.
في علم النفس السياسي، تُقاس خطورة القطيعة بما تتركه داخل الوعي الجمعي، لا بما يحدث داخل المكاتب الدبلوماسية فقط. فالعلاقات العربية–العربية ترتبط لدى المواطنين بصورة الأخوة والمصير المشترك؛ وعندما تنهار بصورة مفاجئة، يظهر شعور بالخيبة وتراجع الثقة في استقرار التحالفات وقدرة المؤسسات العربية على إدارة خلافاتها.
ولا يعني ذلك تشخيص شعوب كاملة بـ«الصدمة النفسية»، فذلك تعميم غير علمي، لكن يمكن وصف الحدث بأنه صدمة سياسية ذات ارتدادات نفسية جماعية محتملة. فالقرارات الحادة ترفع منسوب القلق، وتغذي الغضب، وتدفع الجمهور إلى البحث عن تفسيرات سريعة، بينما تتحول منصات التواصل إلى بيئة خصبة للشائعات والتخوين وإعادة إنتاج الصور العدائية.
تجارب المقاطعة بالمنطقة
وتحذر تجارب المنطقة من أن المقاطعات تبدأ بقرار سياسي ثم تمتد إلى حياة المواطنين. فبعد معاهدة السلام المصرية–الإسرائيلية عام 1979 عُلقت عضوية مصر في جامعة الدول العربية حتى عام 1989. واستمرت أزمة قطر مع السعودية والإمارات والبحرين ومصر من يونيو 2017 إلى مصالحة العُلا في يناير 2021، وانعكست على السفر والتجارة والعائلات الخليجية الممتدة عبر الحدود.

وفي 24 أغسطس 2021 قطعت الجزائر علاقاتها مع المغرب، قبل أن يصل التصعيد إلى المجال الجوي والطاقة والتأشيرات. وتؤكد هذه السوابق أن المصالحة يمكن توقيعها في يوم، لكن إعادة بناء الثقة قد تستغرق سنوات.
جيوسياسيًا، تضع القطيعة ملفات ليبيا والساحل الأفريقي والطاقة والمواني والاستثمارات أمام مرحلة جديدة من إعادة الحسابات. وقد تظهر تداعياتها في حركة الطيران والتأشيرات والتبادل التجاري والمشروعات المشتركة، إلا أن حجم الضرر يظل مرتبطًا بالإجراءات التنفيذية المقبلة، ورد أبوظبي، وفرص نجاح وساطة عربية أو أفريقية.
أما الحديث عن ولادة محاور إقليمية جديدة، أو انتقال الجزائر والإمارات إلى معسكرين متقابلين، فيبقى احتمالًا تحليليًا لا حقيقة مكتملة. لكن استمرار التصعيد قد يدفع الطرفين إلى تنويع شراكاتهما السياسية والاقتصادية والأمنية، ويمنح قوى إقليمية ودولية مساحة أوسع للتحرك في شمال أفريقيا والساحل والقرن الأفريقي.
الخطر الأكبر
الخطر الأكبر يتمثل في انتقال الأزمة من خلاف ثنائي إلى استقطاب عربي أوسع، بحيث تواجه دول أخرى ضغوطًا للانحياز أو محاولة التوازن بين الطرفين. وعندئذ قد تتراجع قدرة جامعة الدول العربية على احتواء النزاعات، بينما يتضرر التنسيق المطلوب لمواجهة الإرهاب والهجرة غير النظامية وأزمات الطاقة والمناخ.
إعلاميًا، تصبح الكلمة جزءًا من إدارة الأزمة. فنقد سياسات الحكومات حق مشروع، أما تحويل الخلاف إلى خصومة بين الشعبين الجزائري والإماراتي فهو وصفة لإطالة الصراع. وربما تعود البعثات الدبلوماسية لاحقًا بقرار سياسي، لكن إزالة الإهانات والصور النمطية من الذاكرة الشعبية ستكون أكثر صعوبة.
ويبقى الحوار، حتى في ذروة الخلاف، أداة لحماية مصالح الشعوب وليس تنازلًا سياسيًا. والحفاظ على قنوات الوساطة والتواصل القنصلي والاقتصادي يحد من انتقال الأزمة إلى المواطنين، ويمنع تراكم قرارات يصعب التراجع عنها عندما تتوافر إرادة المصالحة.
الخلاصة: أخطر ما في قطيعة الجزائر والإمارات ليس إغلاق أبواب السفارات، بل احتمال فتح أبواب الاستقطاب وحروب النفوذ. وبين قرار سياسي عاجل وذاكرة شعبية طويلة، يقف العالم العربي أمام زلزال دبلوماسي جديد: إما أن تحتويه الحكمة والوساطة، أو تترك توابعه تعيد رسم خريطة المنطقة سياسيًا ونفسيًا.


