رئيس التحرير
عصام كامل

الدكتور محمد فوزي عبد العال يكتب: هل تحوّل الاهتمام بالترتيب العالمي إلى أثر حقيقي داخل جامعة أسيوط بعد 1270 يوما من الإدارة؟

جامعة أسيوط، فيتو
جامعة أسيوط، فيتو
18 حجم الخط

لا تُدار الجامعات بمنطق التصنيفات العالمية وحدها، ولا يصبح رئيس الجامعة ناجحًا لمجرد أن المؤسسة ظهرت في قائمة دولية، أو انتقلت عدة مراكز داخل تصنيف من التصنيفات، أو نشرت عشرات البيانات التي تتحدث عن «طفرة» و«إنجاز» و«تقدم عالمي».

فالتصنيفات الدولية أدوات مهمة للقياس والمقارنة، لكنها ليست الغاية النهائية من وجود الجامعة، والجامعة العامة لا تُنشأ من أجل تحسين موقعها في جدول دولي، وإنما من أجل تعليم أفضل، وبحث علمي أكثر تأثيرًا، ومستشفيات أكثر كفاءة، وخدمات أكثر عدالة، وبيئة عمل أكثر احترامًا، وخريجين أكثر قدرة على المنافسة، ومؤسسة يشعر العاملون والطلاب وأعضاء هيئة التدريس بأنها أصبحت بعد انتهاء فترة القيادة أقوى مما كانت عليه عند بدايتها.

وعندما تمتد فترة الإدارة إلى نحو ١٢٧٠ يومًا، يصبح السؤال المشروع ليس: كم خبرًا نُشر عن التصنيفات؟ ولا: كم مرة وردت عبارات «التقدم الدولي» و«الإنجاز العالمي» في البيانات الرسمية؟ وإنما: هل أحدثت هذه الفترة تحولًا مؤسسيًا واضحًا يمكن للطالب والمريض والباحث وعضو هيئة التدريس والموظف أن يشعر به؟ وهل تحسن ترتيب الجامعة تحسنًا نوعيًا حقيقيًا يتناسب مع حجم الخطاب الإعلامي المصاحب له؟ وهل انتقلت جامعة أسيوط إلى شريحة عالمية أفضل؟ وهل انعكس الاهتمام بالتصنيفات على جودة التعليم والبحث والتوظيف والخدمات والحوكمة؟ أم ظل جانب معتبر من المشهد داخل نطاق الحفاظ على الموقع القائم، مع تحسن محدود في بعض المؤشرات وعدم حدوث اختراق في المؤشرات العالمية العامة؟

هذه الأسئلة لا تمثل اتهامًا لشخص، ولا حكمًا مسبقًا على إدارة، وإنما تندرج ضمن الحق المشروع في تقييم أداء مؤسسة عامة وقيادتها باستخدام بيانات منشورة ومؤشرات قابلة للمراجعة، مع احترام حق الرد، والتمييز بين الحقيقة الموثقة والرأي التحليلي.

من التصنيف إلى الأثر: أين يجب أن يبدأ التقييم؟

تولى الدكتور أحمد كمال المنشاوي رئاسة جامعة أسيوط في فبراير ٢٠٢٣، واستمرت الفترة محل القراءة حتى ٣١ يوليو ٢٠٢٦. وخلال هذه المدة، احتلت التصنيفات الدولية مساحة ملحوظة من الخطاب الإعلامي الرسمي للجامعة، ولا يوجد اعتراض من حيث المبدأ على الاهتمام بالتصنيفات؛ فهي تمنح الجامعة وسيلة للمقارنة الخارجية، وتكشف نقاط القوة والضعف، وتساعد في تحسين البحث العلمي والتدويل والسمعة الأكاديمية وعلاقات الجامعة بسوق العمل.

لكن الإشكالية تبدأ عندما تتحول أداة القياس إلى مركز الخطاب الإداري، أو عندما يُقدم مجرد الظهور في التصنيف باعتباره إنجازًا مكتملًا، دون تحليل موقع الجامعة الحقيقي، أو التمييز بين التحسن العددي والتحول النوعي، أو مقارنة النتائج بخط الأساس الذي كانت الجامعة تقف عنده قبل بداية الفترة.

فالحفاظ على شريحة عالمية قائمة قد يكون أمرًا إيجابيًا في ظل المنافسة المتزايدة، لكنه ليس مساويًا للانتقال إلى شريحة أفضل. والتحسن في تصنيف بحثي لا يعني بالضرورة تحسن جودة التدريس أو بيئة العمل. والتقدم في تصنيف الاستدامة لا يثبت وحده عدالة القرارات الإدارية أو سرعة الاستجابة للشكاوى أو تنفيذ الحقوق.

ولهذا يعتمد التقييم المؤسسي الرشيد على قراءة مجموعة متكاملة من المؤشرات، لا على اختيار التصنيف الذي يمنح الصورة الأكثر إشراقًا ثم تقديمه بوصفه التعبير الكامل عن أداء الجامعة.

خط الأساس كان قائمًا قبل بداية الفترة

من أهم القواعد العلمية في تقييم أي قيادة تحديد نقطة البداية التي تسلمت عندها المؤسسة.
فقبل صدور قرار تعيين رئيس الجامعة الجديد بأيام، نشر الموقع الرسمي لجامعة أسيوط في ٣٠ يناير ٢٠٢٣ أن الجامعة جاءت ضمن الشريحة العالمية من ١٠٠١ إلى ١٢٠٠ في تصنيف QS، كما أشار إلى موقعها بين الجامعات المصرية المدرجة في التصنيف.

وهذا يعني أن وجود الجامعة داخل هذه الشريحة لم يبدأ خلال الفترة محل الدراسة، وإنما كان قائمًا قبلها. ومن ثم لا يصح من الناحية المهنية تقديم استمرار الجامعة في الشريحة نفسها باعتباره انتقالًا جديدًا تحقق بالكامل خلال الإدارة الحالية.

كما كانت جامعة أسيوط قد جاءت في المركز ٢٩ عربيًا في تصنيف الجامعات العربية الصادر عن Times Higher Education لعام ٢٠٢٢، أي قبل بداية الفترة محل التحليل.

ولا تعني هذه الإشارة إنكار أي جهود لاحقة، لكنها تضع النتائج في سياقها الصحيح؛ فبعض المؤشرات موروث من فترات سابقة، وبعضها نتيجة لعمل تراكمي يمتد عبر سنوات، وبعضها فقط يمكن ربطه بصورة مباشرة بالسياسات التي تبنتها القيادة خلال فترة إدارتها.

ستة إصدارات من QS والشريحة لم تتغير

تكشف قراءة نتائج QS أن جامعة أسيوط ظلت في الشريحة العالمية من ١٠٠١ إلى ١٢٠٠ في إصدار ٢٠٢٢، وهو الإصدار السابق للفترة، ثم استمرت في الشريحة نفسها في إصدارات ٢٠٢٣ و٢٠٢٤ و٢٠٢٥ و٢٠٢٦ و٢٠٢٧، وبذلك، لم تنتقل الجامعة خلال هذه السنوات إلى شريحة عالمية أعلى، كما لم تهبط إلى شريحة أدنى.

وهذه النتيجة يمكن قراءتها من زاويتين. الزاوية الأولى أن الجامعة استطاعت المحافظة على وجودها داخل الشريحة نفسها رغم اتساع المنافسة وزيادة أعداد المؤسسات الداخلة في التصنيف. أما الزاوية الثانية، فهي أن المحافظة على الموقع لا تمثل اختراقًا، ولا تبرر وحدها خطابًا يوحي بحدوث قفزة عالمية.

فالجامعة التي ظلت بين المركزين ١٠٠١ و١٢٠٠ قبل بداية الفترة، ثم بقيت في النطاق نفسه بعد نحو ١٢٧٠ يومًا، تحتاج إلى مراجعة مدى فاعلية خطط تحسين السمعة الأكاديمية، والاستشهادات لكل عضو هيئة تدريس، والتدويل، وسمعة الخريجين لدى جهات التوظيف، وشبكات البحث الدولية.
ولا يُفهم من ذلك أن التصنيف لم يشهد أي حركة داخلية في المؤشرات الفرعية، وإنما المقصود أن النتيجة النهائية في التصنيف العالمي العام لم تنقل جامعة أسيوط إلى شريحة أفضل.

وهنا يصبح السؤال المؤسسي المشروع: إذا كان تحسين التصنيفات قد احتل مساحة كبيرة من الخطاب الرسمي، فما الأسباب التي حالت دون حدوث انتقال نوعي في QS طوال الفترة؟

هل المشكلة في السمعة الدولية؟ أم في معدل الاستشهادات قياسًا إلى أعداد أعضاء هيئة التدريس؟ أم في محدودية التدويل؟ أم في ضعف الصلة المؤسسية بسوق العمل؟ أم في أن جهود تحسين التصنيف لم تُبنَ على خطة طويلة الأجل ذات مؤشرات مرحلية معلنة؟

هذه أسئلة مهنية تحتاج إلى إجابة رقمية، ولا تمثل في ذاتها تجريحًا أو اتهامًا.

تصنيف CWUR: تحسن رقمي لا ينبغي إنكاره ولا المبالغة فيه

على خلاف حالة الثبات في QS، أظهرت نتائج مركز تصنيف الجامعات العالمية CWUR تحسنًا عدديًا متتابعًا لجامعة أسيوط.

ففي عام ٢٠٢٤ جاءت الجامعة في المركز ١١٠١ عالميًا، والمركز ١٧ إفريقيًا، والخامس على المستوى المصري، بينما بلغ ترتيبها في البحث العلمي ١٠٥٠، وحصلت على درجة إجمالية بلغت ٦٩٫٩.

وفي عام ٢٠٢٥ تحسن الترتيب العالمي إلى المركز ١٠٢٦، والتصنيف الإفريقي إلى المركز ١٦، مع بقاء الجامعة في المركز الخامس مصريًا. كما تحسن ترتيب البحث إلى ٩٧٨، وارتفعت الدرجة الإجمالية إلى ٧٠٫٥.

وفي إصدار ٢٠٢٦ انتقلت الجامعة إلى المركز ٩٩٩ عالميًا من بين أكثر من واحد وعشرين ألف مؤسسة تناولها التصنيف، وجاءت في المركز ١٥ إفريقيًا، وظلت خامسة على المستوى المصري، وتحسن ترتيب البحث إلى ٩٥٧، بينما ارتفعت الدرجة الإجمالية إلى ٧٠٫٦ وبذلك، تحسن ترتيب الجامعة عالميًا بمقدار ١٠٢ مركز بين عامي ٢٠٢٤ و٢٠٢٦، وتحسن ترتيب البحث بنحو ٩٣ مركزًا، وارتفعت الدرجة الكلية بمقدار ٠٫٧ نقطة.

وهذه نتائج إيجابية لا يصح إغفالها، كما لا يصح نسبتها جميعًا بصورة تلقائية إلى قرارات إدارية قصيرة الأجل؛ لأن البحث العلمي والاستشهادات نتائج تراكمية قد تمتد لسنوات وتشارك فيها أجيال من الباحثين وقيادات وأقسام ومراكز متعددة.

وفي الوقت نفسه، ظلت الجامعة في المركز الخامس مصريًا خلال السنوات الثلاث، وهو ما يعني أن التحسن العالمي العددي لم يتسبب في تغيير موقعها النسبي بين الجامعات المصرية المتقدمة عليها في التصنيف.

كما بلغ ترتيب قابلية توظيف الخريجين في CWUR لعام ٢٠٢٦ نحو ١٧٤٠ عالميًا، وهو موقع يستدعي اهتمامًا أكبر بربط البرامج الجامعية بالصناعة، وتطوير منظومات التدريب والتوظيف، وإنشاء قواعد دقيقة لتتبع الخريجين وقياس اندماجهم في سوق العمل.

ولم يسجل التصنيف للجامعة ترتيبًا في بعض مؤشرات جودة التعليم وجودة أعضاء هيئة التدريس، وهو ما يحد من استخدام نتيجة CWUR باعتبارها حكمًا شاملًا على جميع وظائف الجامعة.

والقراءة المتوازنة هنا هي أن الجامعة حققت تحسنًا بحثيًا وعدديًا في CWUR، لكنه لم يتحول إلى تقدم وطني نسبي، ولا يكفي وحده للحكم على جودة التجربة التعليمية والإدارية بأكملها.

تصنيف Times Higher Education: موقع عام متأخر رغم قوة بعض المجالات

في تصنيف Times Higher Education العالمي لعام ٢٠٢٦ ظهرت جامعة أسيوط في الشريحة من ١٢٠١ إلى ١٥٠٠ عالميًا.

وبحسب البيانات المنشورة التي استند إليها التقرير، بلغت درجة بيئة التعليم نحو ٢٣٫٦، ودرجة البحث ١٢٫٤، ودرجة جودة أو تأثير الاستشهادات ٤٨٫٣، ودرجة الدخل الصناعي ٢٥٫٣، بينما بلغت درجة النظرة الدولية ٥٧٫٩.

وتشير هذه المؤشرات إلى تفاوت واضح؛ إذ تبدو الاستشهادات والنظرة الدولية أفضل نسبيًا، في حين يظل مؤشر البحث المؤسسي عند مستوى أقل، وهو ما يطرح تساؤلًا حول الفجوة بين إنتاج بعض الأبحاث ذات التأثير، وبين قوة النظام البحثي داخل الجامعة بوصفه منظومة متكاملة.

وعلى مستوى التخصصات، جاءت علوم الحياة في الشريحة من ٥٠١ إلى ٦٠٠ عالميًا، وهو أفضل موقع تخصصي مسجل ضمن البيانات الواردة بالتقرير.

وجاءت الهندسة وعلوم الحاسب والعلوم الفيزيائية في الشرائح من ٦٠١ إلى ٨٠٠ عالميًا، بما يعكس وجود قوة متوسطة قابلة للبناء والتطوير.

أما الطب والصحة، فقد جاءا في الشريحة من ٨٠١ إلى ١٠٠٠ عالميًا، كما ظهرت العلوم الاجتماعية في الشريحة نفسها.

ويكتسب موقع الطب والصحة أهمية خاصة؛ لأن جامعة أسيوط تمتلك تاريخًا طبيًا عريقًا، ومستشفيات جامعية واسعة، وأعدادًا كبيرة من أعضاء هيئة التدريس والباحثين والمرضى، وتؤدي دورًا علاجيًا إقليميًا بالغ الأهمية في صعيد مصر، ومن ثم يصبح من المشروع التساؤل عن أسباب عدم انعكاس هذا الثقل الطبي بصورة أقوى في المؤشرات الدولية الخاصة بالطب والصحة، ولا تعني هذه الملاحظة الانتقاص من حجم الخدمات الطبية المقدمة؛ فالتصنيف الدولي لا يقيس وحده أعداد المرضى أو العمليات أو الدور الاجتماعي للمستشفيات. لكنه يقيس جوانب البحث والتعليم والسمعة والتأثير، وهي مجالات يفترض أن تكون الجامعة قادرة على تحسينها بما يتناسب مع حجمها وإمكاناتها، والصياغة المهنية الأدق هي أن جامعة أسيوط تمتلك ثقلًا طبيًا وخدميًا كبيرًا لم ينعكس بعد بصورة موازية في ترتيبها الدولي بمجال الطب والصحة.

نتائج إيجابية لكنها ليست شهادة على جودة الإدارة

وحققت جامعة أسيوط نتائج ملحوظة في تصنيف أثر الاستدامة لعام ٢٠٢٦، إذ جاءت في الشريحة من ٣٠١ إلى ٤٠٠ عالميًا في الترتيب العام، كما حققت المركز ٥٤ عالميًا في الهدف المرتبط بالطاقة النظيفة، والمركز ٦٠ في العمل اللائق والنمو الاقتصادي، والمركز ٩٨ في الحياة تحت الماء.

وظهرت الجامعة في الشريحة من ١٠١ إلى ٢٠٠ في بعض الأهداف، ومنها العمل المناخي والحياة في البر وفق البيانات التفصيلية المشار إليها، كما ظهرت في شرائح مختلفة في أهداف القضاء على الفقر والجوع والصحة الجيدة والتعليم والمياه النظيفة والمساواة بين الجنسين.

ولا يجوز التقليل من قيمة هذه النتائج، لأنها تعكس قدرة الجامعة على توثيق أنشطتها وسياساتها ومشروعاتها المرتبطة بأهداف التنمية المستدامة، لكن لا يجوز أيضًا تحويلها إلى شهادة شاملة على نجاح جميع ملفات الإدارة. فتصنيف الاستدامة لا يقيس بصورة مباشرة عدالة اختيار القيادات، أو رضا العاملين، أو تنفيذ الأحكام، أو سرعة الرد على الشكاوى، أو جودة التوزيع الداخلي للموارد، أو مستوى الأمان النفسي والتنظيمي، ومن هنا يجب التعامل مع التصنيف باعتباره دليلًا على أداء إيجابي في مجال محدد، لا باعتباره بديلًا عن تقييم المؤسسة في مجمل وظائفها، فالنجاح في الطاقة النظيفة أو العمل المناخي لا يلغي ضرورة مساءلة الجامعة عن جودة التعليم والبحث والخدمات والحوكمة، كما أن وجود مشكلات إدارية محتملة لا يلغي النتائج الإيجابية في الاستدامة.

المشكلة ليست في التصنيفات 

لا تتمثل المشكلة في اهتمام رئيس الجامعة بالتصنيفات الدولية؛ فهذا الاهتمام مطلوب في كل جامعة تسعى إلى المنافسة العالمية، وإنما تتمثل المشكلة المؤسسية المحتملة في أن يصبح التصنيف محور الخطاب والاحتفاء، دون أن يُقدم للمجتمع الجامعي كشف حساب متكامل يوضح أثر فترة الإدارة على الملفات التي لا تقيسها التصنيفات.

فكم بلغت نسبة رضا الطلاب عن العملية التعليمية قبل الفترة وبعدها؟ وكم بلغ متوسط زمن إنهاء المعاملات الإدارية؟ وما نسبة الشكاوى التي جرى فحصها وحسمها؟ وما عدد الأحكام والقرارات واجبة التنفيذ، وما موقف الجامعة منها؟ وهل تحسنت مؤشرات العدالة التنظيمية؟ وهل أصبحت معايير اختيار القيادات أكثر وضوحًا وتنافسية؟ وهل تحسنت البيئة النفسية للعاملين وأعضاء هيئة التدريس؟ وهل تراجعت البيروقراطية؟ وهل انعكس التحول الرقمي على زمن الخدمة أم اقتصر على الإعلان عن أنظمة ومنصات؟

هذه المؤشرات لا تظهر عادة في QS أو THE أو CWUR، لكنها تمس الحياة اليومية داخل الجامعة، وقد تكون أكثر أهمية بالنسبة إلى الموظف والطالب والمريض والباحث من انتقال الجامعة عدة مراكز في جدول دولي.

ومن منظور الطب النفسي المؤسسي، فإن الجامعة القوية ليست فقط الجامعة التي تنشر أبحاثًا أكثر، وإنما المؤسسة التي توفر الأمان النفسي، وتحمي حق الاختلاف، وتتيح التظلم، وتمنع الخوف من الانتقام الإداري، وتضمن شعور العاملين بالإنصاف والاحترام، وغياب بيانات مستقلة ومعلنة عن هذه الملفات لا يثبت وجود مخالفات، لكنه يمثل فجوة في الشفافية تحول دون إصدار تقييم مؤسسي كامل.

ماذا تكشف الأرقام بعد نحو ١٢٧٠ يومًا؟

تكشف الأرقام عن صورة متباينة لا يمكن اختزالها في مدح شامل أو هجوم شامل، ففي تصنيف QS، لم تنتقل جامعة أسيوط من شريحة ١٠٠١-١٢٠٠ التي كانت موجودة فيها قبل بداية الفترة. وهذا يعني أن الهدف المتعلق بتحقيق اختراق في التصنيف العالمي العام لم يتحقق، وفق هذا المؤشر، حتى إصدار ٢٠٢٧، وفي CWUR حدث تحسن من المركز ١١٠١ في ٢٠٢٤ إلى ٩٩٩ في ٢٠٢٦، كما تحسن ترتيب البحث من ١٠٥٠ إلى ٩٥٧. وهذا تحسن حقيقي يجب إثباته دون مبالغة.

وفي Times Higher Education ظلت الجامعة داخل شريحة عالمية متأخرة نسبيًا من ١٢٠١ إلى ١٥٠٠، مع تفاوت بين قوة الاستشهادات والنظرة الدولية من ناحية، وضعف نسبي في مؤشر البحث المؤسسي من ناحية أخرى.

وفي التخصصات، أظهرت علوم الحياة والهندسة والحاسب والعلوم الفيزيائية مواقع أفضل نسبيًا من الموقع العام، بينما ظل ترتيب الطب والصحة دون المستوى الذي قد يتوقعه المتابع بالنظر إلى الثقل الطبي الكبير لجامعة أسيوط، وفي الاستدامة، حققت الجامعة نتائج عالمية جيدة في بعض أهداف التنمية المستدامة، وهو جانب إيجابي ينبغي البناء عليه.

أما الحوكمة والعدالة التنظيمية ورضا العاملين وتنفيذ الأحكام وزمن حسم الشكاوى والأمان النفسي، فلا توجد بشأنها بيانات عامة مستقلة ومتكاملة تسمح بالحكم الموضوعي، وبالتالي، فإن النتيجة المهنية ليست أن الفترة خلت من الإنجازات، وليست أيضًا أنها أحدثت تحولًا مؤسسيًا شاملًا. بل إن الأدلة المتاحة تشير إلى تحسن في بعض المؤشرات، وثبات أو تأخر في مؤشرات أخرى، مع غياب معلومات كافية في مجموعة من الملفات الداخلية الجوهرية.

مواطن القصور التي تسمح بها البيانات المنشورة

يمكن صياغة النقد المؤسسي بصورة دقيقة وقانونية في عدد من النقاط، أولها أن جامعة أسيوط لم تحقق انتقالًا إلى شريحة أعلى في QS طوال الفترة، على الرغم من التركيز الإعلامي الواضح على التصنيفات الدولية.

وثانيها أن الجامعة ظلت في نطاق ١٢٠١-١٥٠٠ في التصنيف العالمي العام لـTHE، وهو موقع يحتاج إلى مراجعة استراتيجية مقارنة بعمر الجامعة وحجمها وإمكاناتها.

وثالثها أن درجة البحث المؤسسي في THE، وفق الأرقام التي استند إليها التقرير، جاءت عند ١٢٫٤، بينما كانت درجة الاستشهادات أعلى بكثير، ما يفتح بابًا لدراسة جودة البيئة البحثية واستدامتها وتوزيعها بين الكليات والباحثين.

ورابعها أن ترتيب قابلية توظيف الخريجين في CWUR عند ١٧٤٠ يمثل مؤشرًا يحتاج إلى تدخل مؤسسي جاد، خصوصًا في ظل التحولات المتسارعة في سوق العمل والذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي.

وخامسها أن تحسن CWUR لم يغير المركز الوطني الخامس للجامعة، بما يعني أن سرعة التحسن لم تكن كافية لتجاوز الجامعات المصرية المتقدمة عليها.

وسادسها غياب لوحة مؤشرات عامة تعرض بوضوح تطور جودة التدريس، ورضا أصحاب المصلحة، وتنفيذ الحقوق، وزمن الخدمات، وأداء المستشفيات، والعدالة في توزيع الفرص والتكليفات.
ولا تمثل هذه الملاحظات اتهامًا بوقوع مخالفات أو إهدار متعمد، وإنما تمثل قراءة للبيانات المتاحة وما تفتقده من معلومات ضرورية.

التصنيف لا يعوض غياب كشف الحساب

بعد نهاية أي فترة قيادة، يحتاج المجتمع الجامعي إلى تقرير تسليم وتسلم لا يقوم على تجميع الأخبار، وإنما على مقارنة نقطة البداية بنقطة النهاية.. ينبغي أن يوضح التقرير عدد البرامج التي حصلت على اعتماد فعلي، ونسب تطور نتائج الطلاب، ومعدلات النشر المؤثر، ونسب الأبحاث المسحوبة أو المصححة إن وجدت، وقيمة التمويل البحثي، وبراءات الاختراع التي تحولت إلى تطبيقات، ومعدلات توظيف الخريجين، وتحسن مؤشرات المستشفيات، ومتوسط زمن الخدمة، ومعدلات رضا العاملين والطلاب.كما ينبغي أن يعرض موقف التظلمات والشكاوى والأحكام القضائية والقرارات الإدارية واجبة التنفيذ، دون إفشاء بيانات شخصية أو التأثير على التحقيقات القائمة، والتقرير الذي لا يتضمن هذه المؤشرات يظل تقرير نشاط، لا تقرير أثر، فالنشاط يعني أن الجامعة عقدت مؤتمرًا أو وقعت اتفاقية أو استقبلت وفدًا أو دشنت منصة. أما الأثر فيعني أن المؤتمر أدى إلى مشروع، والاتفاقية نتج عنها تمويل أو تبادل فعلي، والمنصة قللت زمن الخدمة، والمشروع حسّن حياة الطلاب أو المرضى أو الباحثين.
والفارق بين النشاط والأثر هو الفارق بين الإدارة الإعلامية والإدارة المؤسسية.

رسالة إلى وزير التعليم العالي والأمين العام للمجلس الأعلى للجامعات


يرفع هذا التقرير إلى معالي الأستاذ الدكتور عبد العزيز قنصوه، وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وإلى الأستاذ الدكتور مصطفى رفعت، الأمين العام للمجلس الأعلى للجامعات، مقترحًا تطوير نموذج وطني موحد لتقييم فترات رؤساء الجامعات الحكومية.

ويُقترح أن يبدأ كل رئيس جامعة عمله بإعلان خط أساس واضح، يتضمن موقع الجامعة في التعليم والبحث والتوظيف والخدمات والحوكمة، وأن يقدم في نهاية فترته تقريرًا مقارنًا خاضعًا للتدقيق.

كما يُقترح إنشاء لوحة بيانات وطنية سنوية للجامعات الحكومية، تشمل مؤشرات التصنيفات الدولية دون أن تقتصر عليها، وتضيف إليها مؤشرات رضا الطلاب والعاملين وأعضاء هيئة التدريس، وجودة التدريس، والتوظيف، وأداء المستشفيات، والشكاوى، وتنفيذ الأحكام، والشفافية، والتحول الرقمي، والعدالة التنظيمية.

ومن الضروري أن تنفذ جهة محايدة استطلاعات سرية لقياس المناخ المؤسسي، بعيدًا عن تأثير الإدارات التنفيذية، وأن تُعرض النتائج الإجمالية دون كشف هوية المشاركين، كما يجب أن يُمنح كل مسؤول يجري تقييم فترته حق الرد على الملاحظات والبيانات السلبية، وأن يُرفق الرد بالتقرير النهائي؛ حماية للعدالة ومنعًا لتحول التقييم المؤسسي إلى أداة للتشهير أو تصفية الحسابات.

ولا ينبغي منح أي قيادة جديدة تكليفًا بناءً على الخطاب الإعلامي وحده، كما لا ينبغي حرمانها من فرصة بسبب انتقادات إلكترونية أو آراء غير موثقة. الفيصل يجب أن يكون سجلًا مؤسسيًا مدققًا، يشمل الإنجازات ونقاط القصور وحقوق أصحاب المصلحة.

 بعد ١٢٧٠ يومًا… أين الأثر الذي يتجاوز التصنيف؟

بعد نحو ١٢٧٠ يومًا من الإدارة، لا تكشف البيانات المتاحة عن انهيار شامل، كما لا تكشف عن قفزة مؤسسية شاملة، تكشف عن ثبات طويل في QS دون انتقال إلى شريحة أفضل، وتحسن عددي وبحثي في CWUR، وموقع عالمي عام متأخر نسبيًا في THE، ونتائج أفضل في بعض التخصصات والاستدامة، مع غياب بيانات عامة مستقلة في الحوكمة والرضا والحقوق والعدالة التنظيمية.

ومن ثم، فإن القضية ليست أن جامعة أسيوط لم تحقق أي إنجاز؛ فذلك قول لا تؤيده الأرقام. كما أن القضية ليست أن كل ظهور في تصنيف يمثل طفرة؛ فذلك أيضًا لا تؤيده القراءة المقارنة.
القضية الحقيقية أن الجامعة لا ينبغي أن تُدار من أجل التصنيف، ولا ينبغي أن يصبح تحسين صورتها الخارجية بديلًا عن تحسين واقعها الداخلي.

فالتصنيف العالمي أداة، وليس رسالة الجامعة. وعدد المراكز التي تتقدمها المؤسسة لا يساوي تلقائيًا عدد المشكلات التي حلتها. كما أن زيادة الاستشهادات لا تعني بالضرورة أن الطالب تلقى تعليمًا أفضل، أو أن الموظف حصل على حقه أسرع، أو أن المريض تلقى خدمة أكثر كفاءة، أو أن الباحث وجد بيئة أكثر عدلًا.

الجامعة القوية هي التي تجمع بين المكانة الدولية والعدالة الداخلية، وبين جودة البحث وكرامة الإنسان، وبين الخطط الاستراتيجية والخدمة اليومية، وبين الأرقام المنشورة والأثر الذي يلمسه المجتمع، وهذا هو السؤال الذي ينبغي أن يظل حاضرًا عند تقييم أي قيادة جامعية: بعد انتهاء الفترة وتغير الوجوه، هل أصبحت الجامعة أقوى وأكثر عدلًا وكفاءة وشفافية مما كانت عليه عند البداية؟

فالمناصب محطات مؤقتة، والتصنيفات تتغير من عام إلى آخر، لكن ما يبقى في ذاكرة المؤسسة هو الأثر الحقيقي، والحقوق التي حُفظت، والمشكلات التي حُلت، والبيئة التي تركتها القيادة لمن يأتي بعدها.

المصادر الأصلية والموثوقة
١. قرار تعيين رئيس جامعة أسيوط المنشور على الموقع الرسمي للجامعة في ٧ فبراير ٢٠٢٣:
الموقع الرسمي لجامعة أسيوط، قرار جمهوري بتعيين الأستاذ الدكتور أحمد المنشاوي رئيسًا للجامعة حتى بلوغه السن القانونية للمعاش.
٢. صفحة جامعة أسيوط في تصنيف QS العالمي:
QS World University Rankings، السجل السنوي لجامعة أسيوط ونتائج التصنيف العالمي العام.
٣. صفحة جامعة أسيوط في تصنيف Times Higher Education:
نتائج التصنيف العالمي والتخصصات وتصنيف أثر الاستدامة.
٤. تصنيف CWUR لجامعة أسيوط لعام ٢٠٢٤:
Center for World University Rankings، نتائج الجامعة وترتيبها العالمي والإفريقي والمصري والبحثي.
٥. تصنيف CWUR لجامعة أسيوط لعام ٢٠٢٥:
Center for World University Rankings، النتائج السنوية التفصيلية.
٦. تصنيف CWUR لجامعة أسيوط لعام ٢٠٢٦:
Center for World University Rankings، الترتيب العالمي والبحثي وقابلية التوظيف والدرجة الإجمالية.
٧. وزارة التعليم العالي والبحث العلمي:
البيانات الرسمية المتعلقة بنتائج الجامعات المصرية في Times Higher Education Impact Rankings لعام ٢٠٢٦.
٨. الموقع الرسمي لجامعة أسيوط، ٣٠ يناير ٢٠٢٣:
البيان المنشور عن موقع الجامعة في التصنيفات الدولية قبل بداية الفترة محل التحليل.
٩. Times Higher Education Arab University Rankings 2022:
نتيجة جامعة أسيوط في تصنيف الجامعات العربية قبل بداية الفترة.

الجريدة الرسمية