الاحتلال الإسرائيلي يسابق الزمن لتنفيذ مخطط الخيط القرمزي الاستيطاني.. يمتد من هضبة الجولان وحتى البحر الأحمر وخليج العقبة جنوبا.. ويهدد سلة الغذاء الفلسطينية في الضفة الغربية
لأكثر من 50 عاما، اعتاد الراعي الفلسطيني توفيق حاج قاسم القيام برحلته اليومية من قريته "عاطوف" في شمال غور الأردن إلى قمة جبل طمون في الضفة الغربية المحتلة، ومعه قطيعه المكون من 500 رأس من الأغنام التي زين بعضها بأقمشة ملونة، قاطعا الجبل صعودا سيرا على الأقدام لمدة ساعة ونصف كي يصل إلى مساحة خضراء واسعة ومفتوحة، ليرعى قطيعه لعدة ساعات قبل أن يعود إلى منزله.
كان ذلك قبل ثمانية أشهر، أما اليوم فبات ذلك المشهد مجرد ذكرى في ظل مشروع "الخيط القرمزي" الذي أعلنت سلطات الاحتلال الإسرائيلي عن تنفيذه مطلع العام الحالي 2026، بحسب تحقيق نشرته مجلة "972+" الإسرائيلية، ذات التوجهات اليسارية.
ما الخيط القرمزي؟
الخيط القرمزي هو مشروع عسكري استيطاني إسرائيلي داخل الضفة الغربية المحتلة يستهدف إقامة طريق عسكري في قلب غور الأردن في الضفة الغربية المحتلة، ومن المقرر أن يمتد في نهاية المطاف لمسافة تبلغ حوالي 300 ميل، بداية من هضبة الجولان المحتلة وصولا إلى البحر الأحمر وخليج العقبة جنوبا، مما يؤدي فعليا إلى ضم ملايين الأمتار من الأراضي الفلسطينية؛ فضلا عن إنشاء بؤرة استيطانية جديدة عند قمة الجبل.
وتنقل المجلة عن قاسم قوله، قبل ثمانية أشهر: إن "هذا الجبل هو المكان الوحيد الذي يستطيع فيه التنفس، والمكان الوحيد المسموح له بالرعي فيه".
تقول مجلة "972+" في التحقيق: بعد مرور ثمانية أشهر، طرأ تغير جذري على الوضع الميداني؛ إذ تجري أعمال بناء الجدار على قدم وساق، وهو ما أدى -إلى جانب الضغوط المستمرة من المستوطنين والجيش الإسرائيلي- إلى إجبار عشرات العائلات الفلسطينية على الرحيل. وهناك أيضا تجمعات فلسطينية باتت محاصرة شرقي الجدار، وتواجه صعوبات كثيرة في تأمين الغذاء والماء أو الوصول إلى القرى والبلدات المجاورة للحصول على الخدمات الأساسية.
بتسلئيل سموتريتش.. راعي مخططات الاستيطان
ومن بؤرة استيطانية جديدة أقيمت على جبل "طمون"، بات المستوطنون -الذين يرتدون زيا عسكريا- يجوبون المنطقة ويبثون الرعب في نفوس السكان الفلسطينيين، بل إن أحدهم يقود مركبة عسكرية من طراز "هامر"، وفق التحقيق الصحفي.

وتعد هذه البؤرة واحدة من 19 مستوطنة أعلن وزير المالية الإسرائيلي المتطرف بتسلئيل سموتريتش عن إنشائها العام الماضي، بما في ذلك مستوطنتي "غانيم" و"كاديم" اللتين أُخليتا خلال خطة الانسحاب الإسرائيلي أحادي الجانب عام 2005، بحسب التحقيق الصحفي.
أسوار بطول 51 كيلو مترا
وفي تقرير سابق، كشفت منظمتا "السلام الآن" و"كيرم نافوت"، أن حكومة الاحتلال بقيادة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تستهدف توسيع المستوطنات، وتهجير التجمعات الفلسطينية، وتعميق السيطرة الإسرائيلية على المنطقتين "أ"، الخاضعة للسلطة الفلسطينية بموجب اتفاقيات أوسلو، والمنطقة "ب"، التي تشكل حوالي 18% إلى 22% من مساحة الضفة الغربية، وتخضع لتقسيم إداري وأمني مشترك بين السلطة وقوات الاحتلال.
ويشير التقرير إلى أن المستوطنين أقاموا أسوارا على جانبي الطرقات بطول لا يقل عن 51 كيلو مترا، معظمها في غور الأردن، وفي المناطق التي كانت تستخدمها هذه التجمعات، لمنع عودة الفلسطينيين إلى أراضيهم.

وأوضح التقرير أن الأعوام الثلاثة الماضية شهدت ارتفاع عدد عمليات هدم المباني الفلسطينية في المنطقة "ج"، الخاضعة لقوات الاحتلال، ودفعت قدما بمشروعات لبناء أكثر من 40 ألف وحدة سكنية في المستوطنات اليهودية، فضلا عن الموافقة على أكثر من 100 مستوطنة، تقع معظمها في عمق الضفة الغربية المحتلة، وفي مناطق لم يكن فيها وجود إسرائيلي سابقا.
المستوطنون يسيطرون على الجبل
والآن ماذا يقول الحاج قاسم بعد ثمانية أشهر من تصريحاته مطلع العام الحالي؟.. يؤكد قاسم لمجلة "972+" أن "كل شيء تغير"، مضيفا: نحن نعيش تحت الحصار ومحبوسون بالقرب من منازلنا. ولا يمكننا الصعود إلى الجبل، بل نكتفي برعي الأغنام حول المنزل، وتحديدا في شريط ضيق يقع ضمن المنطقة "ب"، في إشارة إلى ذلك الجزء من أراضي الضفة الغربية المحتلة الخاضع اسميا لسيطرة مشتركة بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، بحسب اتفاق أوسلو.
ويقول قاسم: كانت آخر مرة تمكنت فيها من رعي قطيعه على الجبل في أوائل شهر فبراير الماضي.. لقد وصل مستوطنون يرتدون زيا عسكريا بصورة جعلت من المستحيل التمييز بين أفراد الجيش الإسرائيلي والمستوطنين.. لقد أوقفوني ذات مرة وأخبروني بأنه لا يسمح لي بالرعي هناك، وبأن الأرض ملك يعقوب!
الاستيلاء على سلة غذاء الضفة الغربية
يعد تحويل وضع "جبل طمون" جزءا من مخططات إسرائيلية أوسع بكثير لإعادة تشكيل منطقة غور الأردن. ففي أواخر شهر أغسطس من العام الماضي، وقع قائد المنطقة الوسطى في جيش الاحتلال الإسرائيلي آفي بلوط تسعة أوامر للاستيلاء على أراض بهدف إنشاء جزء من جدار الفصل الذي يمر عبر شمال غور الأردن، ويقطع "جبل طمون" مباشرة.

وسيمتد الجدار من حاجز تياسير شمالا إلى حاجز الحمرا جنوبا، ويتكون بشكل أساسي من طريق ممهد لتسيير دوريات عسكرية إسرائيلية بمحاذاة "حاجز طبيعي"، مع تعزيزه في بعض الأقسام بخنادق وسواتر ترابية.
كما سيربط الطريق بين البؤرة الاستيطانية المعروفة باسم "مزرعة موشيه" (والمصنفة كبؤرة غير قانونية بموجب القانون الدولي) وبين بؤرة "تسفي هاأوفاريم" الاستيطانية، وفق مجلة "972+".
إسراع وتيرة التهجير القسري
من الناحية العملية، يؤدي عزل غور الأردن عن بقية أنحاء الضفة الغربية المحتلة وفصل الفلسطينيين عن الأراضي المخصصة للزراعة والرعي، ما يسرع وتيرة تهجير التجمعات السكانية الفلسطينية التي تعاني –أصلا- من ضغوط شديدة يمارسها المستوطنون والجيش الإسرائيلي. وقد صرح رئيس المجلس المحلي في قرية عاطوف عبد الله بشارات لموقع "+972" بأن "هذه المنطقة تعد من أكثر المناطق إنتاجية من الناحية الزراعية في فلسطين، وتوفر فرص عمل لما يتراوح بين 3000 و4000 عامل، ينحدر معظمهم من عائلات في محافظة طوباس. والطريق العسكري المحاذي للجدار سيلتهم بحد ذاته نحو مليون متر مربع من أراضي القرية".
ومع تسارع وتيرة أعمال بناء جدار الفصل الجديد، تحول القيود التي تفرضها إسرائيل على طرق التنقل الفلسطينية في المنطقة حتى المسافات القصيرة إلى رحلات شاقة، بحسب مجلة "972+".




