بتسلئيل سموتريتش، صورة حية لذاكرة الدم الإسرائيلية.. مشروعاته الاستيطانية تدفع "الاحتلال" نحو حرب أبدية.. وتجبر قيادات عسكرية إسرائيلية على رفع الأعلام الحمراء
بتسلئيل سموتريتش، من لم يقرأ عن مذبحة دير ياسين التي ارتكبها رئيس الوزراء الإسرائيلي الصهيوني دافيد بن جوريون، فليتأمل خطاب سموتريتش. ومن لم يسمع عن مجازر موشيه ديان في مدينة اللد خلال رمضان عام 1948، حين استهدف "كل شيء يتحرك على الأرض"، فلينصت إلى تصريحات سموتريتش؛ ومن لم يطالع صفحات قتل الأسرى المصريين على يد السفاح آرئيل شارون في حربي 1956 و1967، فليفتح سجلات سموتريتش؛ عندها ستبدو تلك الجرائم وكأنها لم تغادر المشهد، بل عادت بثوب جديد وصوت أكثر صراحة ووحشية، في وجه شخص واحد تختزن ملامحه ذاكرة الدم الإسرائيلية بكل ما فيها من قسوة وتطرف.
ولد وزير المالية الإسرائيلي المتطرف، والذي شارك آلاف المستوطنين في أداء رقصات وطقوس استفزازية بساحة الحرم الإبراهيمي في مدينة الخليل المحتلة أمس، في 27 فبراير من عام 1980 بمستوطنة خسپين الإسرائيلية الدينية في مرتفعات الجولان، ونشأ في مستوطنة بيت إيل بالضفة الغربية المحتلة.
وفي بيئة مشبعة بالفكر الديني القومي المتشدد، رسم له والده، وهو حاخام يهودي أرثوذكسي، طريقا قائما على التعليم الديني الصارم، ليمضي سموتريتش لاحقا نحو دراسة القانون العام والدولي في الجامعة العبرية بالقدس المحتلة، حيث جمع بين التكوين الديني الأيديولوجي والخلفية القانونية التي وظفها لاحقا في الدفاع عن المشروع الاستيطاني وتبرير سياسات اليمين المتطرف.
حضور صهيوني لافت
بدأ حضور سموتريتش السياسي يبرز خلال احتجاجات نظمها المستوطنون ضد خطة الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة في أغسطس 2005، حين شارك في مظاهرات رافضة لإخلاء المستوطنات.

وخلال تلك الفترة، ألقت سلطات الاحتلال الإسرائيلية القبض على سموتريتش بعد العثور على نحو 700 لتر من الوقود في حوزته، وسط شبهات بالتخطيط لتنفيذ أعمال تخريبية لتعطيل عملية الانسحاب، ورغم خطورة الشبهات، أُفرج عنه بعد ثلاثة أسابيع من الاحتجاز دون توجيه أي اتهامات رسمية.
وفي انتخابات 2015، وصل سموتريتش إلى الكنيست لأول مرة، مدعوما بإدارته لـ"جمعية رغافيم" اليمينية المتطرفة العنصرية، التي تلاحق الفلسطينيين في مناطق 48 و67، وخاصة في مجال الاراضي والبناء، وتعمل بشكل نشط من أجل استصدار أوامر هدم بيوت عربية، بحجة البناء غير المرخص، ويبرز نشاط هذه الحركة العنصرية في منطقتي النقب والمثلث.
عقلية صهيوينة تنطق بلسان الحاضر
داخل الكنيسيت، اعتاد سموتريتش استخدام لغة عنصرية بعقلية صهيوينة تنطق بلسان الحاضر، فهو لا يخفي سعيه إلى إعادة تشكيل الدولة الإسرائيلية وفق رؤية دينية توراتية، إذ قال صراحة: "نريد حقيبة العدل لأننا نريد استعادة نظام عدالة التوراة"، معتبرا أن على إسرائيل أن تدير نفسها "كما في عهد الملك داود".
وفي أغسطس 2019، عبر سموتريتش بوضوح أكبر عن مشروعه الأيديولوجي قائلا: "نحن اليهود الأرثوذكس نرغب جميعا في إدارة دولة إسرائيل وفقا للتوراة والقانون اليهودي، لكننا لا نستطيع ذلك فقط لأن هناك أشخاصا يفكرون بشكل مختلف عنا، وعلينا التعايش معهم". وهي تصريحات كشفت بوضوح جنوحه نحو دولة إسرائيلية دينية تؤمن بإخضاع المجال السياسي والقانوني لمنظومة دينية متشددة.
نشاط استيطاني لا يهدأ
لم يقتصر حضور سموتريتش على الخطاب، بل امتد إلى الميدان؛ ففي 9 مايو 2021 أعلن عزمه اقتحام حي الشيخ جراح في القدس المحتلة برفقة وزير الأمن القومي الإسرائلي المتطرف إيتمار بن غفير وعدد من أعضاء الكنيست عن تحالف "الصهيونية الدينية"، ضمن خطط واضحة لتهجير السكان الفلسطينيين من ذلك الحي الواقع على الجانب الشرقي من البلدة القديمة في مدينة القدس المحتلة والذي اكتسب اسمه من الأمير حسام الدين الجراحي، طبيب صلاح الدين الأيوبي.

وفي 19 مارس2023، أثار موجة غضب واسعة عندما ظهر خلال كلمة ألقاها في باريس أمام منصة تحمل ما تسمى "خريطة إسرائيل الكبرى"، والتي ضمت فلسطين والأردن، قبل أن ينكر وجود الشعب الفلسطيني قائلا: "لا يوجد شيء اسمه شعب فلسطيني، وهذه الحقيقة يجب أن تسمع في البيت الأبيض".
يمضى سموتريتش إلى أبعد من ذلك زاعما أن "الفلسطينيين ختراع يعود عمره إلى أقل من 100 عام"، في تصريحات اعتبرت تجسيدا صريحا لخطاب الإلغاء والإنكار الذي تتبناه تيارات اليمين الإسرائيلي المتطرف تجاه الهوية الوطنية الفلسطينية.
ويمد وزير مالية بنيامين نتنياهو خطوط مزاعمه الصهيونية على استقامتها، قائلا: "كل من يريد حماية الشعب اليهودي ويعارض الزواج المختلط ليس عنصريا؛ من يريد أن يترك لليهود حياة يهودية بدون غير اليهود ليس عنصريا؛ اليهود هم المحرومون في إسرائيل لأنهم لا يحصلون على أرض مجانية في النقب مثل البدو؛ أنا أؤمن بكلام الرب. أفضل أن يكسب اليهود لقمة العيش وألا يبيعوا منزلا للعرب".
خطة الحسم.. إعادة إنتاج للفكر الصهيوني
مؤخرا، كشف تقرير أعده معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي أن حكومة نتنياهو تسعى إلى فرض واقع جديد في الضفة الغربية المحتلة، من خلال تبنية ما يعرف بـ"خطة الحسم"، والتي وضعها سموتريش في عام 2017، وتقوم على ترسيخ مبدأ ملكية الأراضي لصالح المستوطنين والمشروعات الاستيطانية، وإغلاق أي منفذ من شأنه التوصل إلى تسوية تقوم على مبدأ حل الدولتين، وإضعاف السلطة الفلسطينية، وفرض السيادة الإسرائيلية على الضفة.
إجبار الفلسطينيين على خيارات محددة
يقول معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي: من أجل تطبيق تلك الخطة، تضع الحكومة الحالية الفلسطينيين أمام خيارات محدودة، أهمها الإقامة من دون حقوق سياسية، أو الهجرة، واستخدام القوة لقمع أي قمع أي مقاومة، وتسيع دائرة استراتيجية "الأمن المطلق" التي تشكلت بعد السابع من أكتوبر، والتي ترى أن أي تهديد يستدعي ردا عسكريا، والحفاظ على حرية العمل العملياتي للجيش والسيطرة الأمنية الكاملة، بينما ينظر إلى التهدئة، أو التسوية السياسية، كخطر استراتيجي.

وتستهدف الخطة –أيضا- التعامل مع الاستيطان في الضفة الغربية باعتباره ضروة أمنية إسرائيلية؛ وهو ما عبر عنه وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس، مؤكدا أن "تعزيز الاستيطان، وبشكل خاص في شمال السامرة، يمثل مصلحة أمنية واضحة لإسرائيل"، وان "الاستيطان في شمال السامرة يشكل حزام الحماية لإسرائيل".
التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية
في السياق، كشفت جريدة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية، في تقرير نشر بتاريخ 8 فبراير 2026، أن سموتريتش -مدعوما بوزير الحرب الإسرائيلي- اتخذ قرارات حاسمة لتعميق ضم الأراضي في الضفة الغربية المحتلة.
ونقلت الجريدة عن مصدرين لم يذكرا اسمهما قولهما: إن "قرارات ضم الأراضي في الضفة ستبيح هدم المباني المملوكة للفلسطينيين في المنطقة أ".
وتخضع الأراضي والمباني المملوكة للفلسطينيين في المنطقة (أ) بالضفة الغربية المحتلة لسيطرة إدارية وأمنية فلسطينية كاملة بموجب اتفاقيات أوسلو، وتشمل مراكز المدن الرئيسية، وتشكل حوالي 18% من مساحة الضفة الغربية، وتضم المدن الفلسطينية الرئيسية.
سياسات ثير مخاوف عسكريين إسرائيليين
ويمضي سموتريتش في خطواته التوسعية، متجاهلا تحذيرات جهات أمنية إسرئيلية بشأن العبء العملياتي الذي تسببه بؤر الاستيطان المنتشرة، حيث تضاعفت المساحة التي يطلب من الجيش حمايتها".
وفي هذا السياق، حذر رئيس الأركان إيال زامير و"رفع عشرة أعلام حمراء"، من أن "الجيش ربما ينهار على نفسه"، في ظل التوسع المتسارع للاستيطان، بحسب المعهد.
سموتريتش -إذن– ليس مجرد وزير متطرف داخل حكومة يمينية عابرة، بل تجسيد حي لمشروع صهيوني يعيد إنتاج أكثر مراحله تشددا وتطرفا؛ مشروع يقوم على إخضاع الدولة لـ"شريعة التوراة"، وإنكار وجود الشعب الفلسطيني، وتحويل التوسع الاستيطاني إلى عقيدة سياسية وأمنية.
وبين خطاب ديني متشدد وممارسات ميدانية تدفع نحو مزيد من التصعيد، يمضي سموتريتش في دفع إسرائيل نحو "حرب أبدية"، حتى باتت سياساته تثير قلقا داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية نفسها، التي رأت فيها ما يكفي لرفع "الأعلام الحمراء".
