رئيس التحرير
عصام كامل

للمرة الثانية للإمام الأكبر.. انقذوا المفتي حسون

18 حجم الخط

هناك لحظات يصبح فيها الصمت موقفًا، حتى وإن لم يقصده صاحبه كذلك. وهناك مواقف لا يكفي فيها أن نقول إننا نحترم القضاء، أو إن القضية شأن داخلي لدولة أخرى، أو أن المتهم يواجه اتهامات خطيرة، لأن الإنسان، قبل أن يكون متهمًا أو مسؤولًا أو صاحب موقف سياسي، يظل إنسانًا له حق أصيل في الحياة والكرامة والمحاكمة العادلة.

 

ومن هنا، فإنني أعود مرة أخرى إلى فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، بهذا النداء، لا من موقع الخصومة السياسية، ولا دفاعًا عن أي نظام أو عهد أو طرف سياسي، وإنما من موقع إنساني وديني خالص: يا فضيلة الإمام الأكبر.. انقذوا المفتي حسون؟

 

لقد سبق أن ناشدناكم من أجل سماحة الشيخ أحمد بدر الدين حسون، مفتي الجمهورية العربية السورية السابق، وطالبنا بأن تمتد إليه يد الحكمة والرحمة، وأن تتحرك المؤسسة الدينية الأكبر في العالم الإسلامي بما تملكه من مكانة معنوية وروحية، من أجل ضمان سلامته وحقوقه القانونية والإنسانية. واليوم، وبعد أن أصبحت قضية الرجل أمام القضاء السوري، وبعد أن دخلت المحاكمة مرحلة أكثر حساسية، تتجدد المناشدة بصورة أكثر إلحاحًا.

 

فالمحاكمة الهزلية التي بدأت رسميًا في دمشق في يونيو/حزيران 2026، وتستمر جلساتها، وقدم الادعاء في إحدى الجلسات مذكرة خطية مدعمة بوسائط رقمية، بينما تقدم الدفاع بمذكرته وطلب إجراء خبرة فنية على المواد المرئية المقدمة. وهنا تحديدًا لا نطالب الأزهر بأن يصدر حكمًا ببراءة الرجل، ولا أن يتدخل في عمل القضاء السوري، ولا أن يمنح نفسه سلطة ليست له.

 

نحن نطلب شيئًا أبسط وأعمق: أن يقول الأزهر إن حياة الإنسان ليست قضية سياسية، وإن كرامة المتهم لا تسقط بمجرد اتهامه، وإن العدالة لا تكتمل إلا بمحاكمة عادلة ومستقلة، وإن عقوبة الموت لا يجوز أن تتحول إلى نتيجة لضغط الشارع أو حملات التحريض أو التعبئة الجماهيرية. وهذه ليست دعوة إلى تعطيل العدالة، وإنما دعوة إلى حمايتها.

 

ولكي لا يلتبس الأمر على أحد، فإن هذه المناشدة لا تعني أن الشيخ أحمد بدر الدين حسون فوق القانون، ولا تعني إنكار حق السوريين في العدالة، ولا تعني تجاهل الاتهامات التي تنظر فيها المحكمة. فالقضية، بحسب ما أعلنته الجهات القضائية والإعلامية، تتعلق باتهامات مرتبطة بدوره وخطابه خلال سنوات حكم النظام السوري السابق، وقد استمعت المحكمة إلى شهود لم يشاهدوا شيء، كما قدم الادعاء مواد وأدلة قال إنها مرتبطة بوقائع الدعوى.

 

ومن حق القضاء أن يحقق، ومن حق الادعاء أن يقدم أدلته، ومن حق السوريين أن يطالبوا بالإنصاف. لكن في المقابل، من حق المتهم أيضًا أن يدافع عن نفسه، ومن حقه أن يحصل على محاكمة عادلة، ومن حقه ألا يتحول إلى هدف للانتقام، ومن حقه ألا تتحول وسائل التواصل الاجتماعي إلى محكمة بديلة، ومن حقه، قبل كل شيء، ألا تكون حياته ثمنًا لغضب الشارع.

 

والأهم من ذلك كله أن الحكم القضائي يجب أن يصدر عن المحكمة، لا عن الجمهور، ولا عن وسائل التواصل الاجتماعي، ولا عن حملات التحريض.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث في مراحل العدالة الانتقالية هو أن تتحول المحاسبة إلى انتقام. فالعدالة الحقيقية لا تقاس بعدد الذين أعدموا، ولا بحجم الغضب الذي صاحب المحاكمة، ولا بعدد الأصوات التي طالبت بعقوبة بعينها. العدالة تقاس بقدرتها على الوصول إلى الحقيقة دون ظلم.

 

ولهذا، فإننا لا نطلب من الأزهر أن يقف مع الشيخ حسون ضد الشعب السوري، وإنما نطلب منه أن يقف مع العدالة في قضية الشيخ حسون. وهناك فارق هائل بين الأمرين.

فإذا كان الرجل مذنبًا، فليدان وفق قانون ومحاكمة عادلة. وإذا كان بريئًا، فليبرأ. وإذا كانت الأدلة محل خلاف، فليحسم القضاء هذا الخلاف. أما أن يصبح الغضب الشعبي هو الذي يحدد مصير الإنسان، فهنا ينبغي لكل مؤسسة دينية عريقة أن ترفع صوتها.

 

وحتى لو اختلف بعض السوريون معه، وانتقده البعض بسبب مواقفه السياسية وخطابه خلال الحرب الكونية على سورية. وهذا كله مفهوم ومشروع. لكن السؤال الذي ينبغي أن يبقى فوق الخلاف السياسي هو: هل الاختلاف مع عالم مسلم يلغي حقه في الرحمة؟ وهل إذا اختلفنا مع مواقفه، يصبح من المقبول أن نصمت بينما يواجه مصيرًا قد يصل إلى الإعدام؟ إن الإسلام الذي نعرفه لا يقول ذلك، والأزهر الذي نعرفه لا ينبغي أن يقول ذلك.

 

ندرك تمامًا أن الإمام الأكبر لا يملك سلطة على القضاء السوري، ولا نطالبه بالتدخل في الأحكام، ولا نطالبه بإصدار فتوى سياسية. لكن الإمام الأكبر يملك شيئًا ربما يكون أهم من كل ذلك: يملك الكلمة.

 

والكلمة الصادرة عن شيخ الأزهر ليست كأي كلمة. إنها كلمة رجل يمثل مؤسسة دينية عمرها أكثر من ألف عام، ومؤسسة ظل المسلمون ينظرون إليها بوصفها واحدة من أهم المرجعيات العلمية والدينية في العالم الإسلامي.

 

ومن هنا، فإن كلمة من فضيلتكم تقول: نرفض الانتقام، ونطالب بمحاكمة عادلة، ونرفض المساس بكرامة المتهم، ونطالب بحماية حياته إلى أن تقول المحكمة كلمتها، لن تكون تدخلًا في القضاء، بل ستكون دفاعًا عن القضاء. ولن تكون انحيازًا إلى الشيخ حسون، بل ستكون انحيازًا إلى المبدأ.

 

وربما يقال إن القضية سورية، وإنها مرتبطة بمرحلة سياسية دامية، وإن الرجل متهم بتهم خطيرة. لكن دعونا نسأل أنفسنا سؤالًا آخر: إذا أصبح السكوت عن الظلم مقبولًا لأن الضحية شخصية مثيرة للجدل، فمن الذي سيقف غدًا عندما يتعرض عالم آخر للظلم؟

إذا صمت علماء المسلمين اليوم لأن الشيخ حسون شخصية خلافية، فهل سيحق لنا غدًا أن نطالبهم بالحديث عندما يكون الضحية رجل دين ليس عليه خلاف؟ 

العدل لا يتجزأ. والرحمة لا تمنح للأصدقاء فقط. والحق لا يصبح حقًا عندما يكون صاحبه محبوبًا. وهذه تحديدًا هي قيمة الرسالة الإسلامية.

 

لقد كانت المنطقة العربية خلال العقود الأخيرة مسرحًا لخصومات سياسية وانقسامات مذهبية وصراعات مسلحة لا تنتهي. وإذا كان هناك درس واحد يجب أن نتعلمه، فهو أن الانتقام لا يصنع مستقبلًا.

 

إن سوريا الآن، إذا أرادت أن تبني دولة قانون، تحتاج إلى عدالة يشعر بها الجميع، لا إلى عدالة يخاف منها الجميع. والعدالة التي تبدأ بإذلال المتهم، أو تسمح بتحويل المحاكمة إلى مشهد للتشهير، أو تجعل الرأي العام يطالب بالموت قبل انتهاء الإجراءات القضائية، ستكون عدالة ناقصة مهما كانت دوافعها.

 

وهنا ينبغي للأزهر أن يكون حاضرًا، ليس بوصفه طرفًا في الصراع السوري، وإنما بوصفه صوتًا إسلاميًا يذكر الجميع بأن العدل قيمة لا تتغير بتغير الأنظمة والحكام والضحايا.

يا فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، نحن لا نطلب منكم أن تقولوا إن الشيخ أحمد بدر الدين حسون بريء. ولا نطلب منكم أن تتبنوا مواقفه السياسية. ولا نطلب منكم أن تدافعوا عن مرحلة تاريخية أو عن نظام حكم.. نطلب فقط أن تدافعوا عن الإنسان.

نطلب أن تقولوا إن حياة رجل مسن ليست ملكًا للشارع. نطلب أن تقولوا إن المتهم لا يصبح مذنبًا لمجرد أن الجمهور يراه مذنبًا. نطلب أن تقولوا إن القضاء يجب أن يبقى مستقلًا عن التحريض. نطلب أن تقولوا إن العدالة لا تعني الانتقام.

إننا لا نريد من الإمام الأكبر أن ينصر رجلًا ضد شعب، وإنما نريده أن ينصر قيمةً ضد الانفعال، وعدلًا ضد الانتقام، ورحمةً ضد التحريض. فإن كان الشيخ أحمد بدر الدين حسون قد أخطأ، فليحاسبه القانون. وإن كان قد أجرم، فليأخذ القضاء مجراه. أما أن تسبق أصوات المطالبة بالموت حكم المحكمة، فهنا يجب أن يتحدث أهل العلم. وهنا تحديدًا، ننتظر صوت الأزهر، وننتظر صوت الإمام الأكبر. اللهم بلغت اللهم فاشهد.

الجريدة الرسمية