رئيس التحرير
عصام كامل

سلامًا.. فلم يعد قلبي يحتمل!

18 حجم الخط

ربما يكون السبب الحقيقي وراء كتابة هذه المقال اليوم هو اقتراب الذكرى السنوية الخامسة لرحيل شقيقي وتوأم روحي، فمنذ أيام، فوجئت برسالة على تطبيق "تيليجرام" تخبرني بأن رقم هاتفه قد انضم إلى التطبيق. 

 

للحظة، ظننت أن أحد أبنائه يستخدم هاتفه، فأرسلت رسالة إليه، لكنني اكتشفت أن شخصًا غريبًا أصبح الآن مالكًا للرقم الذي ظل لسنوات مرتبطًا بوجه أعرفه وصوت أحبه وذكريات لا يمكن أن تموت. 

 

كان الأمر صادمًا على نحو لا يمكن وصفه، رقم شقيقي الذي كنت أراه يومًا جزءًا من حياته أصبح مجرد رقم انتقل إلى شخص آخر، وكأن الحياة تقول لي فجأة وبقسوة هادئة: لقد رحل صاحبه، وبقي الرقم، ثم انتقل الرقم أيضًا، بينما بقيت الذكريات في مكان آخر.

 

عندها بدأت أتأمل حياتنا نحن الذين ما زلنا هنا، وكم من الأشياء التي نتمسك بها ونظن أنها باقية لنا، بينما الحقيقة أننا جميعًا عابرون، وأن ما نملكه اليوم قد يصبح غدًا ملكًا لشخص آخر، وأن الأسماء والأرقام والبيوت والأموال والمقتنيات وحتى الأماكن التي اعتدنا أن نراها جزءًا من حياتنا ستستمر بعدنا، بينما سنكون نحن قد تركنا كل شيء خلفنا. 

ومن هنا بدأت أسأل نفسي: إذا كانت النهاية واحدة، فلماذا كل هذا الصراع؟ ولماذا نرهق قلوبنا في معارك لا تستحق، ونستهلك أعمارنا في إثبات أشياء ستتضاءل قيمتها يوم نرحل؟

 

هناك حالات تمر بنا في الحياة يصعب أن نضع لها اسمًا محددًا. ليست حزنًا بالمعنى المعروف، وليست اكتئابًا، وليست هزيمة أو انكسارًا، لكنها حالة غريبة من الهدوء الداخلي، تختلط فيها مشاعر اللامبالاة بعدم الشغف، والقناعة بعدم الرغبة في الاستمرار في الجري وراء الأشياء كما كنا نفعل من قبل. حالة أشعر أنني أعيشها هذه الأيام، أنظر إلى الحياة من مسافة مختلفة، وكأنني خرجت قليلًا من داخل المشهد وأصبحت أراقبه من الخارج.

 

لم أعد أشعر بالحماس نفسه تجاه أشياء كنت أراها في الماضي شديدة الأهمية. لم تعد المعارك تستحق خوضها، ولا الجدالات تستحق إضاعة الوقت، ولا إثبات وجهة نظري أمام الآخرين يبدو انتصارًا يستحق الاحتفال. 

أصبحت أسأل نفسي ببساطة: ماذا سيحدث في النهاية؟ سنرحل جميعًا، وسنترك وراءنا الأشخاص والأشياء والمناصب والأموال والخصومات والانتصارات والهزائم. فلماذا كل هذا الركض؟ ولماذا نستهلك أعصابنا وقلوبنا في معارك ربما كان الأفضل ألا ندخلها من الأساس؟

 

ربما يبدو الأمر من الخارج وكأنه لا مبالاة، لكنه من الداخل أقرب إلى قناعة عميقة. قناعة بأن الحياة أبسط بكثير مما كنا نعتقد، وأننا نحن الذين جعلناها معقدة حين بالغنا في تقدير أشياء مؤقتة، ومنحنا بعض الأشخاص أكبر من حجمهم، ودخلنا في صراعات كان يمكن تجاوزها بكلمة، أو بالصمت، أو حتى بالانسحاب الهادئ.

 

والغريب أنني لا أشعر بأنني خسرت شيئًا. على العكس، أشعر أنني حققت كثيرًا من أمنياتي وأحلامي، وأن الله منحني أكثر مما كنت أستحق. لم أحصل على ما حصلت عليه بسهولة، دفعت ثمنه تعبًا وشقاءً ومجهودًا، وخضت من أجله معارك كثيرة، وانتزعت بعض الأشياء بجهدي وذراعي، وتحملت في سبيلها ما يكفي من الضغط والقلق والمواجهة. 

لكنني اليوم، وأنا أنظر إلى كل ذلك من بعيد، أكتشف أن الأشياء التي كانت تبدو ضخمة في وقتها أصبحت صغيرة جدًا أمام عيني.

 

وأكتشف أيضًا أن بعض المعارك التي اعتقدت يومًا أنها ضرورية لم تكن كذلك. وأن الانتصار في كل نقاش ليس انتصارًا بالضرورة، وأن الرد على كل إساءة ليس قوة، وأن الدخول في كل صراع ليس شجاعة. أحيانًا يكون أعظم انتصار للإنسان أن يعرف متى ينسحب، ومتى يصمت، ومتى يقول: لا أريد أن أخوض هذا الطريق مرة أخرى.

 

ربما للعمر دور في هذه النظرة. عندما يقترب الإنسان من نهايات العقد السادس، وتصبح صحته أكثر هشاشة، ويكتشف أن القلب الذي حمله طوال هذه السنوات لم يعد يحتمل الكثير من الضغوط، تتغير الأولويات تلقائيًا. يصبح السلام النفسي ضرورة، وليس رفاهية. 

وتصبح المحافظة على القلب والأعصاب أهم من المحافظة على صورة الإنسان أمام الآخرين. لهذا أصبحت أحاول الابتعاد عن الأشخاص والمواقف التي تستنزفني، لا خوفًا منهم، وإنما حفاظًا على ما تبقى من طاقتي وهدوئي.

 

لم أعد أرغب في أن أكون مالكًا لكل شيء، بقدر ما أرغب في أن أكون منتفعًا به ما دام موجودًا. أصبحت أتعامل مع الأشياء من حولي باعتباري مستأجرًا مؤقتًا لا مالكًا أبديًا. البيت الذي أعيش فيه، والأشياء التي أملكها، والمكانة التي وصلت إليها، وحتى الأشخاص الذين أحبهم، كلها نعم أستمتع بها وأحمد الله عليها، لكنني أعرف في أعماقي أنني سأتركها يومًا ما، وأن حقي فيها مؤقت مهما طال.

 

وهذا الإدراك لا يجعل الحياة بلا قيمة، بل ربما يجعلها أكثر قيمة. حين أعرف أن الوقت محدود، يصبح الهدوء أغلى من الجدال، والصحة أغلى من الانتصار، والمحبة أغلى من إثبات الذات، واللحظة الهادئة أغلى من كثير من الأشياء التي كنت أركض خلفها.

 

لست راغبًا في اعتزال الحياة، ولا في إعلان الهزيمة أمامها. كل ما أريده الآن أن أعيش ما تبقى منها بسلام. أن أترك خلفي ما يؤذيني، وأتمسك بما يمنحني الطمأنينة، وأن أتوقف عن التعامل مع الحياة باعتبارها ساحة معركة دائمة.

 

ربما هذه ليست حالة لامبالاة، وربما ليست فقدانًا للشغف. ربما هي ببساطة مرحلة يصل إليها الإنسان بعد سنوات طويلة من الركض، فيجلس قليلًا، يلتقط أنفاسه، وينظر إلى الطريق الذي قطعه، ثم يبتسم ويقول: لقد كان الطريق طويلًا، وقد تعبت كثيرًا، لكن الحمد لله.. لقد كان نصيبي جميلًا.

وفي النهاية، ربما لا يحتاج الإنسان إلى أن ينتصر في كل شيء، يكفي أن يصل إلى مرحلة يصبح فيها قلبه أكثر هدوءًا، ونفسه أكثر رضا، وروحه أكثر تصالحًا مع فكرة الرحيل. يكفي أن يعرف أنه كان عابر سبيل، وأن أجمل ما يمكن أن يفعله العابر قبل أن يغادر هو أن يترك المكان خلفه دون خصومة، ودون ضجيج، ودون قلب مثقل بالكراهية. لذلك أقول سلامًا.. فلم يعد قلبي يحتمل، اللهم بلغت اللهم فاشهد.

الجريدة الرسمية