عدادات كودية.. أسعار.. فواتير
"الوزير التائه".. عامان من القرارات المتخبطة لـ محمود عصمت في وزارة الكهرباء
منذ تولي الدكتور محمود عصمت مسؤولية وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة في يوليو 2024، شهد قطاع الكهرباء سلسلة متلاحقة من القرارات والتعديلات المتعلقة بالأسعار والعدادات الكودية والتحصيل والفواتير.
وبينما تؤكد الوزارة في كل خطوة أن إجراءاتها تستهدف خفض الفقد، ومواجهة سرقة التيار، وتحسين معدلات التحصيل، وضمان دقة الفواتير، فإن تتابع القرارات وتعديل قواعد التطبيق خلال فترات زمنية قصيرة فرض حالة من الارتباك على عدد من الملفات التي تمس ملايين المواطنين، وعلى رأسها العدادات الكودية وأسعار الكهرباء والفواتير.
المشكلة لم تعد مرتبطة بقرار منفرد، وإنما أصبحت مرتبطة بصورة إدارة الملف بالكامل، في ظل الانتقال المتكرر من قاعدة إلى أخرى، وتعدد التفسيرات والتوضيحات بشأن آليات التنفيذ.
البداية.. عدادات كودية للجميع دون استثناء
في أغسطس 2024، أصدر وزير الكهرباء قرارًا بتنفيذ قرار مجلس الوزراء بشأن تركيب العدادات الكودية المؤقتة للمباني والمنشآت التي تحصل على الكهرباء بصورة غير قانونية، دون استثناءات أو اشتراطات مسبقة، على أن يكون العداد وسيلة لقياس الاستهلاك ولا يمثل سندًا للملكية أو تقنين الوضع.
كان الهدف المعلن واضحًا: إنهاء الوصلات غير القانونية، وتحويل الكهرباء التي تحصل عليها المنشآت المخالفة إلى استهلاك مقاس ومحصل، مع الحفاظ على حق الدولة في تحصيل قيمة الاستهلاك.
وبحلول فبراير 2025، أعلنت الشركة القابضة لكهرباء مصر تركيب 4.6 مليون عداد كودي خلال الفترة السابقة، إلى جانب تحرير 1.9 مليون محضر سرقة وتعدٍ على التيار، بقيمة مالية بلغت 4.2 مليار جنيه وفق البيانات الرسمية للقطاع، لكن هذا الملف لم يستقر عند هذه المرحلة، وبدأت قواعد التعامل معه تشهد تعديلات وتفسيرات متتالية.
من «دون شروط» إلى تعدد ضوابط التطبيق
في ديسمبر 2025، ظهرت أزمة بشأن قواعد تركيب العدادات الكودية، مع تقارير تحدثت عن وجود تضارب بين تعليمات لجان التفتيش بالشركة القابضة لكهرباء مصر وبين ضوابط جهاز تنظيم مرفق الكهرباء وقرار مجلس الوزراء الصادر في 2024.
وأدى ذلك إلى وجود طلبات معلقة وارتباك لدى المتعاملين مع الملف، خصوصًا مع تداخل أوضاع العقارات المخالفة مع إجراءات التصالح وتقنين الأوضاع.
وبذلك انتقل الملف من قاعدة معلنة تقوم على تركيب العداد دون شروط مسبقة إلى منظومة أكثر تعقيدًا في التطبيق العملي، تتداخل فيها الموافقات والإجراءات القانونية وموقف العقار من التصالح والتقنين.
فبراير ومارس 2026.. تأكيدات بعدم تحريك الأسعار
في 26 فبراير 2026، أعلن وزير الكهرباء عدم تحريك أسعار الكهرباء خلال الفترة الحالية، مع التأكيد على عدم وجود خطط لانقطاع التيار خلال صيف 2026، كما أعلن وصول عدد العدادات الكودية المركبة إلى نحو 3.6 مليون عداد.
وفي 28 مارس، أكد الوزير أن الحكومة لم ترفع أسعار الكهرباء خلال العامين السابقين، مشيرًا إلى أن أي قرار جديد بشأن الأسعار سيتم الإعلان عنه رسميًا فور صدوره، وبعد أسابيع قليلة، دخلت تعريفة جديدة حيز التطبيق.
أبريل 2026.. زيادة الأسعار بعد أسابيع من التصريحات
في أبريل 2026 بدأت الأسعار الجديدة للكهرباء في التطبيق، إذ ارتفع سعر الشريحة السابعة للاستهلاك المنزلي من 2.23 جنيه إلى 2.58 جنيه للكيلووات/ساعة، كما ارتفع سعر الكهرباء للعدادات الكودية من 2.14 جنيه إلى 2.74 جنيه، بزيادة تقارب 28%، وشهد القطاع التجاري زيادات أكبر على عدد من الشرائح.
وأكدت وزارة الكهرباء أن الزيادات جاءت في ظل الضغوط التي يواجهها قطاع الطاقة، وأنها طالت بعض الشرائح وليس جميع المشتركين.
ورغم أن تصريحات الوزير السابقة لم تتضمن تعهدًا بعدم زيادة الأسعار طوال العام، فإن التقارب الزمني بين إعلان عدم التحريك وتطبيق التعريفة الجديدة خلق حالة من الجدل حول وضوح الرسالة الحكومية بشأن سياسة الأسعار.
وبالنسبة للمواطن، لم يكن الفارق بين التصريح والتطبيق مجرد مسألة إعلامية، بل انعكس بصورة مباشرة على قيمة فاتورة الكهرباء والتكلفة الفعلية للاستهلاك.
العداد الكودي.. من حل مؤقت إلى تعريفة مختلفة
كان العداد الكودي في الأساس أداة مؤقتة لقياس استهلاك الكهرباء في العقارات المخالفة، لحين تقنين الوضع أو إزالة المخالفة، وليس سندًا لإثبات الملكية أو تقنين العقار، لكن تعريفة أبريل 2026 وضعت أصحاب العدادات الكودية أمام تكلفة مختلفة، بعدما ارتفع سعر الكيلووات إلى 2.74 جنيه، مقارنة بـ2.14 جنيه قبل الزيادة، مع التأكيد على عدم تطبيق الزيادة بأثر رجعي.
وأصبح أصحاب هذه العدادات أمام نظام محاسبة مختلف عن المشتركين القانونيين الذين يخضعون لنظام الشرائح، وهو ما جعل العداد الكودي يتحول عمليًا من مجرد وسيلة لضبط الاستهلاك والتحصيل إلى أحد أكثر الملفات إثارة للجدل داخل قطاع الكهرباء.
أغسطس 2026.. عودة 550 ألف عداد إلى نظام الشرائح
في 30 أغسطس 2026، أصدر الوزير قرارًا بإعادة نحو 550 ألف عداد كودي إلى نظام الشرائح، بالنسبة لمن أنهوا إجراءات التصالح رسميًا على المنظومة الإلكترونية ولم يستكملوا إجراءات التعاقد القانوني مع شركة التوزيع.
وجاء القرار بهدف التيسير على المواطنين وعدم استمرار محاسبتهم بالسعر الموحد البالغ 2.74 جنيه للكيلووات/ساعة.
وبذلك شهد نظام محاسبة العدادات الكودية تحولًا جديدًا خلال أشهر قليلة؛ فبعد تطبيق سعر موحد مرتفع في أبريل، عادت فئة كبيرة من أصحاب هذه العدادات إلى نظام الشرائح في أغسطس.
ورغم ارتباط القرار بإتمام إجراءات التصالح، فإن تعدد مراحل التعامل مع العداد الكودي جعل المواطن أمام منظومة متغيرة باستمرار، تختلف فيها قواعد المحاسبة بحسب تطور موقف العقار والإجراءات القانونية المرتبطة به.
سبتمبر 2026.. ارتباك جديد في ملف تركيب العدادات
في 4 سبتمبر 2026، ظهرت صورة جديدة من صور الارتباك في إدارة ملف العدادات الكودية، ووفقا لمصدر مسؤول بالشركة القابضة لكهرباء مصر أكد أن شركات التوزيع التسع أوقفت تركيب العدادات الكودية للمباني المخالفة إلا بعد استيفاء موافقات من الجهات المختصة، وربطت عملية التوصيل بالموقف القانوني للعقار وإجراءات التصالح.
وأوضحت المصادر أن تقديم طلبات تركيب العدادات الكودية ما زال مستمرًا عبر المنصة الموحدة لخدمات الكهرباء، وأنه لا توجد تعليمات بوقف تلقي الطلبات، مع التأكيد على أن التغييرات تخص حالات بعينها، وهكذا لم يعد الارتباك مقتصرًا على المواطن وحده، بل امتد إلى الرسائل الصادرة من داخل منظومة الكهرباء نفسها، بين ما تنقله مصادر في الشركة القابضة وما تؤكده مصادر في الوزارة.
الفواتير.. أزمة وصلت إلى مستوى التدخل الرئاسي
لم يتوقف الجدل عند العدادات الكودية، إذ امتد إلى منظومة الفواتير التي تمثل الجانب الأكثر احتكاكًا بالمواطن.. وفي 26 أغسطس 2026، وجه الرئيس عبد الفتاح السيسي وزير الكهرباء بالإشراف المباشر والمدقق على فواتير الكهرباء، وتجنب التقدير الجزافي، وتسهيل سداد المتأخرات المستحقة على المواطنين.
وبعدها بأيام، عقد وزير الكهرباء اجتماعًا مع رؤساء شركات توزيع الكهرباء لمراجعة منظومة إصدار الفواتير، والتشديد على الاعتماد على القراءات الفعلية وتصوير العدادات، وعدم الأخذ بالقراءات غير المصورة، إلى جانب تقسيط المديونيات وتوحيد أسعار المقايسات.
وتعكس هذه التوجيهات انتقال ملف الفواتير إلى مرحلة جديدة من المراجعة والتدقيق، بعد تصاعد شكاوى المواطنين من ارتفاع بعض الفواتير والاعتماد على تقديرات لا تعكس الاستهلاك الفعلي في بعض الحالات.
وأعلنت الشركة القابضة في بيانات سابقة تعاملها مع ملايين البلاغات والطلبات والشكاوى، إذ تم رصد نحو 2.3 مليون بلاغ وطلب وشكوى خلال فترة سابقة، ثم أشارت بيانات أخرى إلى وصول إجمالي الطلبات والشكاوى إلى نحو 3.5 مليون خلال 2025.
ولا تعني هذه الأرقام بمفردها أن جميع الشكاوى كانت مرتبطة بأخطاء في الفواتير، لكنها تكشف حجم الضغط الواقع على منظومة خدمة المشتركين، وتوضح حجم التحديات التي تواجهها شركات توزيع الكهرباء في التعامل مع المواطنين.
المشكلة ليست في القرار.. وإنما في ثبات القاعدة
يمكن تفسير جانب كبير من قرارات وزارة الكهرباء باعتبارات اقتصادية أو فنية أو قانونية، فمواجهة سرقة الكهرباء تحتاج إلى ضبط الوصلات غير القانونية وتركيب العدادات، واستدامة قطاع الطاقة قد تفرض مراجعة التعريفة، وإتمام إجراءات التصالح يغير الوضع القانوني لبعض العقارات، كما أن مراجعة الفواتير وتصحيح القراءات تمثل ضرورة لحماية حقوق الدولة والمواطن.
لكن المشكلة التي تكشفها متابعة الملف خلال العامين الماضيين تتمثل في تتابع التعديلات وسرعة تغيير قواعد التطبيق وتعدد الرسائل الرسمية.
فملف العدادات الكودية بدأ بقاعدة تقوم على التركيب دون استثناءات أو شروط مسبقة، ثم دخل في مرحلة من الجدل حول ضوابط التنفيذ، قبل أن تنتقل المحاسبة إلى سعر موحد مرتفع، ثم تعود فئات من العدادات إلى نظام الشرائح، بالتزامن مع ظهور تصريحات متباينة بشأن استمرار تركيب العدادات وتلقي الطلبات.
أما ملف الفواتير، فقد انتقل بدوره إلى مرحلة مراجعة وتشديد على القراءات الفعلية وتصوير العدادات ومنع التقديرات الجزافية، وصولًا إلى توجيه رئاسي مباشر بضرورة التدقيق في الفواتير.
وزير الكهرباء أمام اختبار الثقة
يدير الدكتور محمود عصمت واحدًا من أكثر الملفات ارتباطًا بالحياة اليومية للمواطن المصري، ولذلك لا يقاس نجاح وزارة الكهرباء فقط بقدرتها على توفير الطاقة أو خفض الفقد ومواجهة سرقات التيار، وإنما أيضًا بقدرتها على بناء منظومة مستقرة وواضحة يستطيع المواطن فهمها والتعامل معها دون الحاجة إلى متابعة القرارات والتوضيحات بصورة مستمرة.
المواطن يحتاج إلى قواعد ثابتة ومعلنة تحدد قيمة الاستهلاك، وطريقة قراءة العداد، ونظام المحاسبة، وإجراءات التعامل مع العداد الكودي، ومراحل التحول من الوضع المؤقت إلى التعاقد القانوني، وآليات الاعتراض على الفواتير.
هذه الملفات لا تحتمل تعدد الرسائل أو تغير القواعد خلال فترات زمنية قصيرة، لأن أي غموض فيها يتحول مباشرة إلى تكلفة مالية أو أزمة ثقة لدى المواطن.
«الوزير التائه».. عندما تصبح القرارات أكثر من اللازم
قد تكون لكل قرار من القرارات التي اتخذتها وزارة الكهرباء مبررات اقتصادية أو قانونية أو فنية منفصلة، وقد تكون بعض التعديلات نتيجة تغير الظروف أو استكمال الإجراءات التشريعية والتنظيمية.
لكن قراءة المشهد بالكامل تكشف مشكلة أوسع من تفاصيل كل قرار على حدة؛ وهي غياب الصورة المستقرة التي يستطيع المواطن من خلالها معرفة القاعدة النهائية التي تحكم معاملته.
من العدادات الكودية إلى الأسعار، ومن الشرائح إلى الفواتير، تتكرر التعديلات والتوضيحات، بينما يجد المواطن نفسه مطالبًا بمواكبة كل قرار جديد لمعرفة النظام الذي يخضع له.
وهنا تكمن أزمة «الوزير التائه»: ليس بالضرورة في أن كل قرار خاطئ، وإنما في أن تتابع القرارات وتغير القواعد وتعدد الرسائل أضعف الإحساس بوجود سياسة واضحة ومستقرة لقطاع الكهرباء، فالقطاع يحتاج إلى أكثر من قرارات متتابعة؛ يحتاج إلى رؤية معلنة، وقواعد مستقرة، ورسالة واحدة واضحة تصل إلى المواطن من الوزارة وشركات التوزيع والجهات التنظيمية دون تضارب أو إعادة تفسير كل بضعة أشهر.
بالتأكيد استعادة الثقة في منظومة الكهرباء لا ترتبط فقط بتحسين الخدمة أو زيادة التحصيل، وإنما تبدأ من قاعدة أكثر بساطة تتمثل في أن يعرف المواطن القاعدة، وأن تظل القاعدة ثابتة، وأن تكون الفاتورة انعكاسًا حقيقيًا لاستهلاكه.


