التفاوض استراتيجية وجود
دبلوماسية التفاوض جزءٌ أصيل من العمل السياسي؛ فهي فن إدارة المتغيرات السياسية، والتعامل مع ما تفرضه من واقع دون الاستسلام له. فالواقع السياسي ليس قدرًا نهائيًا، بل مساحة تتقاطع فيها القوة والمصلحة والإرادة، وتتحدد داخلها حدود القابل للتطبيق.
ومن هنا، فإنّ التفاوض في جوهره ليس مجرد تبادل للمواقف، بل حوار لإدارة المصالح وصناعة الخيارات؛ ولا ينبغي اختزاله في كونه إجراءً دبلوماسيًا عابرًا؛ ففي اللحظات المفصلية يتحوّل إلى استراتيجية وجود تُدار من خلالها المصالح، وتُحمى الثوابت، ويُعاد تشكيل الممكن.
ولا يقتصر التفاوض، حين تتداخل أدوار السلطة والحركة السياسية، على مؤسسة رسمية واحدة؛ فقد تكون الحركة السياسية طرفًا مباشرًا فيه، أو تمتلك أوراقًا تجعل حضورها جزءًا من معادلة الحل. وقد يكون هذا التداخل مصدر قوة حين تتكامل الأدوار والأوراق، أو مصدر ضعف حين تتضارب المسارات والأولويات، فتتبدد قوة الموقف بدل أنْ تتراكم. ومن هنا، لا تُقاس فاعلية التفاوض بمجرد الجلوس إلى الطاولة، بل بقدرته على تحويل أوراق القوة إلى نتائج سياسية تخدم الهدف الوطني.
وتقوم الدبلوماسية الفاعلة على توازن دقيق بين الثبات على المصالح والثوابت الوطنية، والمرونة في الوسائل والتوقيت والصياغات. ونجاح هذا التوازن مرهون بتقدير واقعي لأوراق المفاوض، بعيدًا عن المبالغة في تقدير القوة أو الانجرار إلى التصعيد.
فمن دون إدراك دقيق لموازين القوة، وواقعية في التقدير، واتزان في الأداء، قد يتحوّل الحوار إلى مجرد إدارة للأزمة بدلًا من أنْ يكون أداةً لتجاوزها. ولا تنفصل الواقعية عن البعد الأخلاقي؛ فالتفاوض لا يدور حول إدارة القوة والمصالح فحسب، بل حول حماية الحقوق التاريخية وصون الكرامة الوطنية.
لكن الواقعية ليست قبولًا بالأمر الواقع، ولا براغماتية تُذيب الثوابت. إنها قراءة الواقع كما هو، وإدراك حدود القوة ومصادرها، ثم البحث عن مساحات الحركة داخله. هي توازن في التقدير، وتنوع في الوسائل، وتمسك بالثوابت، وقدرة على المبادرة السياسية: أنْ تقرأ الخريطة كما هي، ثم تبحث عن الممرات، لا أنْ تقف عند الحدود المرسومة لك.
ومن هنا، فالحوار ليس نقيضًا للصراع، كما أنّ التفاوض ليس مرادفًا للتنازل. والمفاوض القوي هو من يعرف كيف يحوّل الحوار إلى مساحة لصناعة البدائل، وكيف يحافظ على أوراقه، ويمنع أن تتحوّل المرونة إلى تنازل مجاني.
والخطر في الخطاب السياسي أنْ تُختزل الواقعية إلى تسويغ للعجز: ما دام الخصم أقوى، فالتنازل حكمة. وهذا خلط بين قراءة القوة والاستسلام لها. فالقوة ليست رقمًا ثابتًا، بل قدرة على إدارة الإمكانات وتراكمها وتحويلها إلى أوراق تفاوض؛ وقد تكون القدرة على الصمود، والتحكم في التوقيت، وامتلاك البدائل، وحشد التأييد الدولي، أوراقًا لا تقل أهمية عن أدوات القوة المباشرة.
فالمفاوض القوي هو من يبني خيارًا رديفًا مقنعًا، يجعله غير مضطر إلى قبول أي اتفاق، ويُحسّن شروطه في أي اتفاق.
الدبلوماسية الفاعلة لا تسير بمعزل عن الدبلوماسية الشعبية الناعمة، التي تبرز بوصفها امتدادًا للدبلوماسية الرسمية والسياسية، لا بديلًا عنها؛ فوظيفتها ليست تحويل الشارع إلى غرفة تفاوض موازية، بل بناء الوعي بالقضية، وتثبيت روايتها، وحماية سقفها الأخلاقي والسياسي.
فإذا كانت السلطة والحركة السياسية تفاوضان على المصالح وشروط المستطاع، فإنّ الشعب يمنح هذا التفاوض حاضنته وشرعيته وقدرته على الصمود. فالموقف الذي ينفصل عن مجتمعه يصبح أكثر هشاشة، كما أنّ المفاوض الذي يقطع صلته بشعبه قد يجد نفسه أمام تنازلات لا يستطيع المجتمع تحملها أو قبولها.
وفي لحظات الاختناق السياسي، حين ترى السلطة ضرورة الاتفاق، وترى الحركة السياسية ضرورة استمرار الضغط، بينما يطالب الشعب بوقف المعاناة، لا تُحسم المفاضلة بانتصار طرف على آخر، بل بقرار مؤسسي تحت مظلة منظمة التحرير الفلسطينية.
وفي القضايا المصيرية المرتبطة بالحرب أو التفاوض، يقتضي الأمر تفعيل المجلس الوطني الفلسطيني بوصفه مرجعية استثنائية للحسم، على أنْ يكون القرار بأغلبية مؤهلة تضمن اتساع قاعدة التأييد، من دون اشتراط الإجماع الذي قد يتحوّل عمليًا إلى حق الاعتراض "فيتو" يعطل القرار.
فالجبهة الداخلية لا تتماسك بإلغاء الاختلاف، وإنما بإدارته ضمن مرجعية وطنية جامعة، تتيح التعدد في التقدير والوحدة في القرار. وهنا تصبح دبلوماسية الشعب سندًا للقرار، تمنحه الشرعية والقدرة على الصمود، بينما تتحمل السلطة والحركة السياسية مسؤولية تحويل هذه القوة إلى خيارات تفاوضية محسوبة.
ويظل تكامل الأدوار بين السلطة والحركة والشعب شرطًا أساسيًا لنجاح أي مسار تفاوضي، وفي هذا السياق تُقدِّم تجربة حركة حماس في مفاوضات حرب غزة مثالًا حيًا على أهمية النظر إلى التفاوض من زاوية مآلاته، لا نتائجه المباشرة فقط. ويجدر الإشارة إلى أنّ هذه المفاوضات جرت من دون غطاء شرعية سياسية وطنية جامعة، الأمر الذي جعل نتائج التفاوض أكثر عرضة لأن تتحوّل بحكم الأمر الواقع، إلى ترتيبات تتجاوز الإطار السياسي الفلسطيني الجامع.
فقد أفضى مسار الحرب والتفاوض إلى نتائج تتجاوز ترتيبات وقف القتال وتبادل الأسرى؛ إذ عزّز تدويل شأن غزة، وفتح المجال أمام ترتيبات دولية وإقليمية تتصل بإدارتها وأمنها وإعادة إعمارها.
وبالتوازي مع ذلك برز خطر متزايد لفصلها سياسيًا عن الضفة الغربية، ومع تشكيل مجلس السلام وتعيين مندوب سامٍ لغزة، في مسمى قد يقترب في دلالته وممارسته من أحد أشكال الوصاية، أخذ هذا المسار بُعدًا مؤسسيًا أكثر وضوحًا، فيما دفع حجم الخراب الإنساني القضية نحو أولوية إغاثية وإعمارية قد تطغى على أسئلتها السياسية المتعلقة بالاحتلال والسيادة ووحدة الأرض الفلسطينية.
وليس في ذلك انتقاص من ضرورة الإغاثة وإعادة الإعمار، وإنما قرع ناقوس الخطر من أنْ يتحوّل الإطار الإنساني إلى بديل عن معالجة أسبابه وجوهره السياسي.
لذلك، فإنّ السؤال الذي ينبغي أنْ يرافق كل تفاوض ليس فقط: ماذا حصَّلنا؟ بل: أي واقع نصنع بما حصَّلنا عليه؟ فقد يتحقق مكسب تكتيكي، بينما تتقلص في المقابل مساحة الحركة الاستراتيجية. والتفاوض الناجح لا يُقاس بما ينتزعه المفاوض في جولة معينة فحسب، بل بما يتركه من أثر في شكل القضية وموقعها بعد انتهاء الجولة.
في النهاية، لا تُقاس الدبلوماسية الفاعلة بصلابة الموقف الذي تبدأ منه، بل بقدرتها على تحقيق المصالح وحماية الثوابت، مع إبقاء الخيارات السياسية مفتوحة.
ولا تُقاس دبلوماسية الشعب الناعمة بحجم الحشود أو بسطوة الخلايا الإلكترونية على الرأي العام، بل بقدرتها على جعل القضية مفهومة، والموقف شرعيًا، والتنازل المجاني مكلفًا، والقوة الناعمة ورقة تُضاف إلى أوراق التفاوض.
السلطة والحركة السياسية تديران الواقع، والشعب يمنح هذه الإدارة معناها وحدودها؛ وبينهما يظل السؤال مفتوحًا: هل يُدار التفاوض بوصفه أداة لحماية القضية من إعادة تعريفها خارج إطارها الوطني، أم يتحوّل تدريجيًا إلى مسار يعيد تشكيلها وفق موازين قوة لا تخدم وحدتها وأهدافها بعيدة المدى؟
