نظام التفاهة: لماذا لا يكفي الإصلاح؟ (الجزء الثالث)
من إعادة إنتاج النخبة إلى إعادة تأسيس النظام
إذا كان الجزآن الأول والثاني قد حاولا الإجابة عن سؤال: كيف يعيد النظام إنتاج النخبة التي تحميه؟ فإنّ السؤال الآن يصبح أكثر صعوبة: كيف يمكن كسر هذه الحلقة دون الوقوع في وهم إعادة التأسيس السريع، أو فوضى انهيار النظام القائم؟
فإعادة التأسيس ليست قرارًا إداريًا ولا تصميمًا ذهنيًا، بل صراع سياسي واجتماعي طويل، له تكاليفه ومقاوموه. فالبنى السياسية لا تتخلى طوعًا عن امتيازاتها، والنخب التي استفادت من النظام لا تصبح فجأة طرفًا محايدًا في تغييره.
الخارج: فاعل في تشكيل النظام
لا يمكن التفكير في هذا الانتقال من دون الاعتراف بوزن الخارج. فالنظام السياسي الفلسطيني لم يتشكل في فراغ؛ إذ كانت العلاقات الإقليمية والدولية، بما فيها الاعتراف والدعم والتمويل والوساطة، جزءًا من إنتاج القوة السياسية وتحديد حدود الممكن الفلسطيني.
لكن الاعتراف بدور الخارج لا يعني تحويله إلى شماعة. فالقوى الخارجية تستطيع التأثير في موازين القوى، لكنها لا تستطيع إنتاج شرعية داخلية مستدامة. وتظهر المشكلة حين يصبح التمويل الخارجي بديلًا عن بناء الموارد الذاتية، أو يتحوّل الدعم السياسي إلى وسيلة لتثبيت شبكات النفوذ، أو تصبح العلاقة بالخارج مصدرًا لشرعية تنافس الشرعية التي يمنحها المجتمع.
لذلك لا يتعلق الأمر بقطع العلاقة مع الخارج، وهو أمر غير واقعي، بل بإعادة تعريفها؛ بحيث يرتبط الدعم ببناء المؤسسات والكفاءة والشفافية، ويصبح التمويل استثمارًا في المجتمع، لا أداة لإعادة إنتاج المحاصصة.
لا يمكن انتظار اتفاق شامل
قد يبدو منطقيًا القول إنّ بداية التحول يجب أنْ تكون باتفاق وطني شامل. غير أنّ هذا الشرط قد يتحوّل إلى وسيلة أخرى لتأجيل التغيير. فإذا كان الانقسام نفسه أحد نتائج البنية التي نريد تغييرها، فإنّ انتظار اتفاق بين الأطراف المستفيدة من استمرارها قد يعني انتظار تخلي النظام طوعًا عن شروط بقائه.
لذلك ينبغي أن يبدأ التحوّل بخطوات انتقالية تفتح مساحة سياسية جديدة: توسيع المشاركة، حماية المؤسسات العامة، تعزيز استقلال المؤسسات المهنية والمدنية، ووضع قواعد تمنع استخدام الموارد العامة لإعادة إنتاج الولاءات. وهذه الخطوات لن تنهي الانقسام، لكنها قد تخلق حدًا أدنى من الثقة يمهّد لمسار أوسع.
من يدعو إلى الطاولة الوطنية؟
هنا يظهر السؤال العملي: مَن يملك الشرعية أو القدرة على إطلاق هذا المسار؟
لا يمكن افتراض أنّ فصيلًا واحدًا يستطيع الدعوة إلى إعادة تأسيس تحظى بالقبول العام، كما أنّ أي مبادرة تطلقها شخصيات مستقلة أو قوى اجتماعية من دون غطاء وطني قد تُقرأ بوصفها محاولة لإنشاء جسم سياسي جديد.
لذلك تقتضي الواقعية صيغة تجمع الشرعية القائمة بالشرعية الاجتماعية المتجددة. ومن هنا يمكن أنْ تبدأ مبادرة وطنية تشاركية تحت مظلة منظمة التحرير الفلسطينية، تضم القوى السياسية، والمؤسسات المهنية والمدنية، والشخصيات المستقلة، وممثلين عن قطاعات المجتمع المختلفة.
ولا تكون وظيفتها إنشاء منظمة جديدة أو منافسة الفصائل، بل خلق مساحة مؤقتة لإعادة بناء قواعد المشاركة والثقة، وتهيئة الشروط السياسية والقانونية لمؤتمر وطني تأسيسي.
منظمة التحرير والمؤتمر التأسيسي
ينبغي أنْ تكون الطاولة الوطنية الانتقالية آلية مؤقتة تعمل تحت مظلة منظمة التحرير، لا جسمًا موازيًا لها؛ حتى لا يتحوّل النقاش من إعادة بناء النظام إلى صراع جديد حول الشرعية.
ومن داخل هذا المسار يمكن أن يصبح المؤتمر الوطني التأسيسي لحظة تأسيس حقيقية، إذا جرى تشكيله على أساس وطني لا فصائلي، بحيث يعكس المجتمع ومكوناته السياسية والاجتماعية والمهنية والجغرافية، لا مجرد حصص التنظيمات.
ويُكلَّف المؤتمر بوضع ميثاق وطني جديد يحدد قواعد العمل السياسي، وآليات التداول والمساءلة، والعلاقة بين المجتمع والسلطة، وحدود الصلاحيات. لكنه لا ينبغي أن يكون نقطة البداية، بل نتيجة لمسار تراكمي مِن بناء الثقة وتوسيع المشاركة؛ فالمؤتمر الذي يسبق تهيئة شروطه قد يعيد إنتاج المحاصصة.
التعافي والانتخابات: بعد تغيير القواعد
ولا يمكن فصل إعادة تأسيس النظام السياسي عن برنامج متزامن للتعافي وإعادة بناء ما دمرته الحرب في غزة والضفة الغربية. فإعادة بناء المجتمع والمؤسسات ليست مسارين منفصلين؛ إذ لا يمكن إنتاج شرعية سياسية جديدة في بيئة اجتماعية واقتصادية مدمرة، كما لا ينبغي أن يتحوّل التعافي إلى مجرد إعادة بناء مادي تحت قواعد سياسية قديمة.
لذلك ينبغي أن يسير إصلاح النظام وتغيير قواعد إنتاج النخبة جنبًا إلى جنب مع برنامج وطني للتعافي وإعادة البناء، وأن يسبق هذا المسار الانتخابات العامة للمؤسسات الفلسطينية، سواء انتخاب مجلس وطني جديد، أو انتخاب رئيس السلطة والمجلس التشريعي.
لكن الحديث عن الانتخابات في الحالة الفلسطينية الراهنة، خاصة في ظل التدويل المتصاعد للشأن الغزي، يطرح سؤالًا جوهريًا: هل تستطيع هذه الانتخابات، إنْ أُجريت، أنْ تُنتج شرعية سياسية مستقلة، أم أنها ستظل رهينة لشروط خارجية تعيد إنتاج التبعية نفسها؟
فالانتخابات لا ينبغي أن تكون مجرد وسيلة لتجديد الوجوه داخل البنية القائمة، بل تتويجًا لمسار يعيد تحديد قواعد التمثيل والشرعية والمساءلة. وإلا فإن الانتخابات بالقواعد القديمة قد تعيد إنتاج النخبة نفسها.
المقاومة والسلطة: حدود الشرعية
تبقى العلاقة بين المقاومة والسلطة من القضايا الحساسة. فالمشكلة لا تكمن في وجود المقاومة أو في شرعيتها الوطنية، وإنما في تحويل شرعية المقاومة إلى مصدر دائم لشرعية إدارة المجتمع. وفي المقابل، لا يجوز استخدام قصور السلطة القائمة، وهي تعمل في ظل الاحتلال وغياب السيادة الكاملة، لتبرير احتكار القرار الوطني.
لذلك المطلوب ليس فصلًا ميكانيكيًا بين المقاومة والحكم، بل تحديد قواعد العلاقة بين القوة السياسية والمجتمع: تظل شرعية المقاومة محل احترام من دون أن تتحول إلى حصانة من المساءلة، وتخضع إدارة الشأن العام لقواعد المشاركة والمحاسبة، حتى في ظل غياب الدولة الكاملة.
من إصلاح الفصائل إلى إعادة تأسيس السياسة
لن تجري عملية إعادة التأسيس بسلاسة. فالنخب المستفيدة ستقاوم تغيير قواعد النظام، والفصائل لن تتخلى بسهولة عن امتيازاتها، والقوى الخارجية ستتعامل مع التحول وفق مصالحها، فيما قد يخشى مجتمع أنهكته الحرب والانقسام من كلفة التغيير.
لذلك فإنّ الواقعية السياسية ليست تنازلًا عن التغيير، بل شرط لإمكانه. وإعادة التأسيس لا تعني هدم كل ما هو قائم أو إلغاء القوى التي راكمت تاريخًا وشرعية، وإنما تغيير مواقعها داخل النظام، بحيث تنتقل من احتكار المجال السياسي إلى التنافس داخله.
المطلوب إذن ليس إلغاء الفصائل، ولا استبدال نخبة بأخرى، ولا إنتاج قيادة جديدة بالوسائل القديمة، بل تغيير قواعد إنتاج القيادة نفسها: أن تصبح الشرعية قابلة للتجدد، وتاريخ المقاومة مصدر احترام لا حصانة، والكفاءة شرطًا للصعود، والاختلاف جزءًا من الحياة الوطنية، وإدارة الشأن العام مسؤولية تجاه المجتمع لا امتدادًا للتنظيم.
وهنا تتصل الدوائر كلها: احتكار الحقيقة يُضيّق مجال الاختلاف، وضِيق الاختلاف يوسع مساحة الامتثال، والامتثال يعيد إنتاج النخبة، والنخبة تحمي البنية التي أنتجتها.
لذلك قد لا يكون السؤال في المرحلة المقبلة: كيف نصلح النظام السياسي الفلسطيني؟ بل سؤالًا أكثر جذرية: هل ما زالت القضية تحتاج إلى إصلاح النظام الذي عرفناه، أم تحتاج إلى إعادة تأسيس نظام جديد بقواعد مختلفة تحت مظلة منظمة التحرير البيت الفلسطيني الشرعي والجامع؟
فبعد مآلات حرب غزة، وما يتشكل في الضفة، لم يعد المستقبل امتدادًا طبيعيًا للماضي. تغيّرت الأرض، وتغيّر المجتمع، وتغيّر الإقليم، وتغيّر العالم. وما لا ينبغي أن يبقى على ما هو عليه، هو طريقة التفكير في الشرعية والسلطة والنخبة.
فالمعركة ليست فقط من أجل تحرير الأرض، بل من أجل بناء مجتمع لا يحتاج إلى احتكار الحقيقة كي يحافظ على وحدته، ولا إلى تأجيل الإصلاح كي يحافظ على مقاومته، ولا إلى نظام التفاهة كي يعيد إنتاج نخبه.
وربما يكون الاختبار الأصعب أمام الفلسطينيين في المرحلة المقبلة ليس فقط: من يستطيع أن يقاوم؟ بل: من يستطيع أن يبني نظامًا سياسيًا يجعل المقاومة طريقًا إلى الحرية، لا ذريعة لتأجيل بناء النظام الذي تستحقه الحرية؟
