مخترع الواي فاي السريع الدكتور حاتم زغلول لـ"فيتو": بدأتُ من إمبابة.. وحوّلتُ 256 ألف معلومة إلى 30 مليارًا في الثانية.. وأحلم بإنترنت رخيص لكل إنسان
من مدرسة الأورمان وجامعة القاهرة إلى مختبرات كندا.. رحلة عالم مصري صنع واحدة من أهم تقنيات الاتصالات الحديثة، ورفض أن تتحول التكنولوجيا إلى امتياز للأغنياء.
في هذا الحوار، يكشف الدكتور حاتم زغلول تفاصيل رحلته العلمية، وكيف ولدت فكرة «الواي فاي السريع» في جلسة استغرقت 25 دقيقة، ولماذا يرى أن مستقبل الاتصالات لا يكمن في زيادة السرعة بقدر ما يكمن في خفض التكلفة، كما يتحدث عن الذكاء الاصطناعي، والخصوصية، وهجرة العقول المصرية، ورسالة والده التي صنعت بداخله عقل الباحث عن الحقيقة. فإلى نص الحوار:
دكتور حاتم، النشأة والجذور.. أين كانت البداية؟
أنا من خريجي التعليم المجاني في مصر، وتربيت هنا. ولدتُ في إمبابة، في منطقة كانت تُعرف باسم «مدينة التحرير»، وكانت آنذاك نموذجًا للمدن الجديدة التي أُنشئت في أعقاب حرب 1956 في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر.
بعد ولادتي مباشرة انتقل والدي إلى إنجلترا بحكم عمله، فسافرتُ معه وعشتُ هناك نحو أربع سنوات، ثم عدنا إلى مصر، وكنتُ أقضي فترات الصيف في إنجلترا.
لكن التعليم والتربية الأساسيين كانا في مصر؛ بدأتُ من إمبابة، ثم مدرسة الأورمان الثانوية، وبعدها جامعة القاهرة، وصولًا إلى جامعة عين شمس.
وُلدتَ في أي عام؟
عام 1957.

إذن أنت ابن مدرسة التعليم الحكومي المجاني.. هل ما زلت تتذكر أساتذتك؟
بالتأكيد، وأذكر تحديدًا مدرس اللغة العربية الأستاذ فتحي. في ذلك الوقت لم أكن أتحدث كثيرًا في حصة اللغة العربية؛ لأن العربية كانت بالنسبة لي أشبه بلغة ثانية بسبب السنوات التي عشتها في إنجلترا.
وفي إحدى الحصص، كنا ندرس قصيدة لجبران خليل جبران تتحدث عن الشجرة، وكان الأستاذ يشرح أن الشجرة ترمز إلى لبنان، وأن الشاعر طائر يحلق فوقها.
رفعتُ يدي وسألته: «يا أستاذ فتحي، هل بالضرورة أن تكون الشجرة رمزًا؟ ألا يمكن أن يكون الشاعر كتب قصيدة عن شجرة حقيقية فقط؟!»
نظر إليّ وقال مازحًا: «يا حاتم.. يا زغلول، لقد التزمت الصمت طوال العام وأتحفتنا بهدوئك، وحينما قررت أن تتكلم نطقت بهذا في النهاية؟!»
وأذكر أيضًا أستاذ حسني، مدرس الفيزياء، وأستاذ الكيمياء.. كانوا بالفعل أساتذة عظماء.

من الواضح أنك تلقيت تعليمًا متميزًا؟
في تقديري، التعليم الذي تلقيته في مصر كان من أفضل نظم التعليم في العالم تقريبًا. وفي كلية الهندسة تكرر الأمر نفسه، ووجدنا دعمًا كبيرًا.
كنتُ متفوقًا منذ طفولتي، وتحديدًا من الصف السادس الابتدائي وحتى التخرج، وكنتُ دائمًا من الأوائل. أما التفوق الاستثنائي في الرياضيات والفيزياء، فقد ظهر بوضوح في الصف الثاني الثانوي.
وفي الجامعة أتذكر موقفًا للدكتور فؤاد رجب. كان يقف أمام السبورة ممسكًا بالطبشورة، وعندما يتوقف فجأة فهذا يعني أن أحد الطلاب عليه أن يكمل الحل.
في إحدى المرات توقف، فقلتُ له: «الخطوة التالية كذا». فقال لي فورًا: «خطأ!» وبعد ثلاث خطوات، التفت إلى المدرج وقال: «من الذي قال كذا؟» شعرتُ بإحراج شديد، لكنني أجبت: «أنا يا دكتور».فقال للطلاب: «صفقوا له!» ثم سألني مندهشًا: «كيف استطعت أن تستشرف ثلاث خطوات مسبقًا؟»؛ لأن الخطوة التي وصل إليها كانت بالفعل هي التي توقعتها.
هذا الموقف ترك بداخلي أثرًا لا يُنسى، ومنحني ثقة هائلة في نفسي.

وهل كانت الدروس الخصوصية موجودة في ذلك الوقت؟
كانت عيبًا اجتماعيًا كبيرًا. الذهاب إلى درس خصوصي كان يُنظر إليه باعتباره إعلانًا عن الفشل أو البلادة، وكان أمرًا مستهجنًا للغاية.
وحتّى التعليم الخاص لم يكن منتشرًا؟
لم يكن منتشرًا على الإطلاق. كان لديّ قريب يدرس في مدرسة خاصة، فقامت والدته بنقله إلى التعليم الحكومي العام وقالت له: «لتكن مثل حاتم!»
حدثنا عن البيت الذي نشأت فيه؟
والدتي كانت سيدة ملتزمة دينيًا وأخلاقيًا بدرجة كبيرة، وغرست فينا تعاليم الإسلام والأخلاق والمساواة بين الناس.
وكان التعليم بالنسبة إليها أولوية مطلقة. كانت تصعد الدرج فتقول لي: «ذاكر»، وتنزل الدرج فتكرر: «ذاكر».
ولم أكن أتصور أصلًا أن من حقي ألا أطيع أوامرها، فكنت أذاكر بشغف، وقرأت كتبًا كثيرة جدًا في مجالات مختلفة وأنا في سن صغيرة.

وماذا عن والدك؟
كان يعمل في وزارة التربية والتعليم، وتولى إدارة مكتب البعثات التعليمية والثقافية في لندن. كان مسؤولًا عن شؤون الطلاب المصريين المبتعثين للحصول على الماجستير والدكتوراه، كما كان يستقبل الشخصيات العامة والفنانين المصريين عند قدومهم إلى لندن للعلاج أو لمهام أخرى.
وكم عدد أشقائك؟
نحن خمسة أشقاء؛ ثلاثة أولاد وبنتان.
وهل حصل الجميع على تعليم عالٍ؟
نعم، جميع الأولاد مهندسون، والأختان تخرجتا في كلية البنات.
حصلتَ على الثانوية العامة من مدرسة الأورمان بتفوق.. هل كان مستقبلك الدراسي محددًا؟
لم يكن محددًا بصورة واضحة. كان طموحي الشخصي أن أدرس الفيزياء، لكن عندما حصلتُ على مجموع كبير، رأت والدتي أن التنسيق يفرض عليّ الاختيار بين الطب والهندسة.
ولأن إخوتي جميعًا التحقوا بكلية الهندسة، قالت لي والدتي: «أكمل المسيرة مع إخوتك في الهندسة». فدخلتُ كلية الهندسة بجامعة القاهرة.
إذن أنتم عائلة هندسية بامتياز؟
نعم، وهذا أفادني كثيرًا. كنتُ شغوفًا بالعلم والمعرفة ولديّ فضول دائم. وعندما كان عمري 12 عامًا، سألتُ أخي الأكبر عن «النظرية النسبية»، فشرحها لي بالكامل. وكان هذا النوع من الحوار المعرفي المستمر بيننا له دور مهم في تكوين شخصيتي.
وما ترتيبك بين إخوتك؟
أنا أصغرهم.
والصغير عادةً يكون مدللًا في الأسرة؟!
(ضاحكًا): لم يكن هناك مجال للتدليل في قاموس أسرتنا.
هل واصلت تفوقك في كلية الهندسة؟
نعم، كنت الأول بفارق كبير في السنة الإعدادية، حتى إن رقم جلوسي وُضع منفردًا في قائمة تقديرات الامتياز والجيد جدًا.
وبعد تخرجي من الهندسة التحقتُ بكلية العلوم في جامعة عين شمس لدراسة الرياضيات التطبيقية، لأنني أردتُ العودة إلى شغفي الأصلي.
وهكذا حققتُ رغبة والدتي أولًا بدراسة الهندسة، ثم عدتُ إلى الرياضيات والفيزياء اللتين كنتُ أحبهما.
وماذا حدث بعد التخرج؟
التحقتُ بالخدمة العسكرية لمدة 15 شهرًا كضابط احتياط، على أساس أنني معيد في كلية الهندسة بجامعة القاهرة؛ فقد كنتُ حاصلًا على امتياز مع مرتبة الشرف، لكنني لم أتسلم التكليف الفعلي بالمعيدية.
بعد الجيش عملتُ في قطاع البترول بالقاهرة، ثم انتقلتُ إلى حقول أبو رديس في سيناء.
وخلال الأشهر الثلاثة الأولى تعرضتُ لكسر في قدمي، فضاعت مني فرصة دورة تدريبية للشركة في أبوظبي. وبدلًا منها أرسلتني الشركة إلى مدرسة تدريبية في اسكتلندا. ومن هناك لم يطلبوا مني العودة مرة أخرى.
أي أن الغربة بدأت من البترول؟
بالضبط.
هل كنت تخطط للهجرة؟
إطلاقًا، لم أكن أخطط للهجرة، ولم أكن أفكر في المستقبل بطريقة طويلة المدى؛ كانت الأقدار والظروف هي التي تقودني.
بعد اسكتلندا انتقلتُ إلى هولندا ومكثتُ هناك عامين. وكان القانون يتيح الحصول على الجنسية بعد تجديد الإقامة للسنة الثانية، لكنني لم أفكر في ذلك. ثم عشتُ في ألمانيا ولم أطلب جنسيتها.
نقطة التحول الحقيقية حدثت وأنا على متن الطائرة متجهًا إلى كندا. حلقت الطائرة فوق الأراضي الكندية نحو أربع ساعات متواصلة، وشاهدتُ مساحات شاسعة وغير مأهولة. وقتها قلتُ لنفسي: «هذه ليست مجرد دولة.. هذه قارة كاملة!» وهنا شعرتُ أن الفرص هناك واسعة، وقررتُ الاستقرار بهدف الحصول على الماجستير ثم الدكتوراه في الفيزياء. كنتُ قد تركتُ شركة البترول وقضيتُ ستة أشهر في إجازة تفرغتُ خلالها للقراءة المتعمقة في الفيزياء.
نصل إلى المحطة الأهم.. كيف بدأت قصة اختراع «الواي فاي السريع»؟
تخصصي في بكالوريوس الهندسة بجامعة القاهرة كان هندسة الاتصالات، بينما كانت رسالة الدكتوراه في كندا في الكهرومغناطيسية.
وأثناء إعدادي للأبحاث الأخيرة للدكتوراه، أعلنت شركة الاتصالات في المقاطعة الكندية التي كنت أعيش فيها عن حاجتها إلى شخص يجمع بين التخصصين. كان هذا تخصصًا نادرًا، وكان توصيفًا دقيقًا لخلفيتي العلمية، فتقدمت للوظيفة وتم اختياري فورًا.
وطُلب مني دراسة تقنيات الاتصالات لاختيار التكنولوجيا المناسبة لإطلاق الجيل الثاني «2G» للهواتف المحمولة، على أن تكون الشركة أول شركة في العالم تشغل هذا الجيل. وكان المطلوب أن أقدم التقرير النهائي في يونيو 1990.
لكن حدث أمر مهم في ديسمبر 1989؛ استحوذت شركتنا على أكبر شركة للهواتف المحمولة، وفجأة أصبح تحت إمرتي فريق يضم 24 دكتورًا في الاتصالات، إلى جانب مختبرات وأجهزة ضخمة.
استعنت بزميلي وصديقي المصري الدكتور ميشيل فتوش، خريج هندسة القاهرة، لأنني كنت قد ابتعدت نسبيًا عن الاتصالات البحتة لفترة.
وماذا اكتشفتم؟
درسنا التقنيات المقترحة، وأوصينا بتقنية GSM المستخدمة حاليًا، لكنها لم تكن جاهزة في ذلك الوقت، فاقترحنا بديلًا مؤقتًا. لكن الأهم أنني كتبتُ في نهاية التقرير أن التقنيات الموجودة والمطروحة للجيل الثاني غير صالحة للمستقبل.
كيف قلت لشركات الاتصالات العملاقة إن تقنياتها غير صالحة؟
قلتها بكل وضوح؛ لأنها لم تكن مناسبة لنقل بيانات الإنترنت.
أقصى سرعة كانت مخططة للجيل الثاني تبلغ 256 ألف معلومة في الثانية، بينما كان بث الفيديو عالي الجودة يحتاج إلى نحو 340 ألف معلومة على الأقل. بمعني آخر، السرعات المقترحة لم تكن تسمح بفيديو جيد، بل فيديو رديء ومتقطع.
كنتُ من مستخدمي الإنترنت الأوائل في عام 1990، وكانت الشبكة وقتها عبارة عن بريد إلكتروني وغرف أخبار ومجموعات «Usenet News».
كنا نكتب مسارًا مثل:
`news/middle_east/egypt/sports/soccer`
لكي تصلنا أخبار الأهلي والزمالك، وكانت الصفحة الواحدة تستغرق من نصف ساعة إلى ساعة كاملة حتى تكتمل.
أدركتُ وقتها أن المستقبل يحتاج إلى سرعات هائلة تسمح ببث الفيديو بسلاسة.
وكيف كان رد شركات الاتصالات؟
قالوا لي: «ومن يريد مشاهدة الفيديو عبر الهاتف؟ هذا هو المتاح وتلك هي الذروة».
لكنني لم أقتنع. عرض عليّ الدكتور ميشيل فتوش تقنية «OFDM»، وجلسنا معًا في نقاش علمي لم يتجاوز 25 دقيقة. أدخلنا تعديلات جوهرية وحاسمة عليها، واتفقنا على تطوير تكنولوجيا جديدة تغطي اتصالات العالم كله. وكانت تلك هي النواة الحقيقية للواي فاي فائق السرعة.
ولهذا توصف بأنك مخترع «الواي فاي السريع»؟
نعم، الواي فاي كان موجودًا كفكرة بدائية وبطيئة، لكننا نقلنا معدل نقل البيانات بصورة جذرية من 256 ألف معلومة في الثانية إلى ما يناهز 30 مليار معلومة في الثانية حاليًا (أي 30 جيجابت في الثانية). وبهذه السرعة يمكن تحميل فيلم كامل في أقل من ثانية.
ماذا حدث بعد الاختراع؟
أسسنا شركة، وبنينا أول أجهزة تعمل بالواي فاي السريع، وحصلنا على أول ترخيص رسمي للواي فاي في الولايات المتحدة.
كنا نتوقع أن تسارع الشركات العالمية إلى دفع مقابل حقوق الملكية الفكرية، لكن ذلك لم يحدث. فخضنا معارك قضائية طويلة من عام 2007 حتى 2013 للحصول على التعويضات العادلة، وفي النهاية قضت المحاكم لصالحنا بتعويضات كبيرة.
والبراءات التي سجلناها، إلى جانب ابتكارات أخرى، أصبحت من البراءات ذات القيمة والأهمية الكبيرة؛ لأن أجيال الاتصالات اللاحقة، ومنها 4G و5G وحتى 6G، استفادت من الأسس التي قامت عليها تلك التقنية.
بعد أكثر من ثلاثة عقود في مجال الاتصالات.. ماذا يشغلك الآن؟
أركز على محورين أساسيين:
الأول: خفض تكلفة الاتصالات عالميًا؛ ففكرة الواي فاي الأساسية كانت تقديم اتصالات سريعة ورخيصة، والواي فاي بالفعل من أرخص تقنيات الاتصال، لكن هناك قيودًا وعيوبًا تحد من قدرته على الحلول محل شبكات المحمول. نعمل الآن على معالجة هذه العيوب وتقديم حلول اتصالات فائقة السرعة ومنخفضة التكلفة في عدد من الدول.
الثاني: الجيل السادس والعدالة الرقمية؛ فلا أهتم بزيادة السرعة في 6G لأننا وصلنا إلى سرعات مذهلة (نحو 30 جيجابت في الثانية). ما نحتاج إليه خلال السنوات المقبلة ليس مزيدًا من السرعة، وإنما رخص التكلفة.
أريد أن يصبح الإنترنت في متناول البشرية كلها. هناك إنسان في إفريقيا لا يستطيع الاتصال بالإنترنت، وفي المقابل شخص في أمريكا يستخدم السرعة نفسها لتحميل الأفلام للترفيه؛ هذه فجوة رقمية هائلة.
وماذا عن الذكاء الاصطناعي وحوسبة الحافة؟
هناك تحول تقني ضخم يسمى «حوسبة الحافة» أو (Edge Computing)، ويقوم على تقريب الخوادم من المستخدم بدلًا من بقائها في أماكن بعيدة. هذا القرب يجعل الخدمة أكثر شخصية ومباشرة، ويدخل الذكاء الاصطناعي في تفاصيل استخدامنا اليومية بصورة أكبر.
لكن لهذا ثمنًا؛ فطالما أنك تستخدم هاتفًا ذكيًا متصلًا بالبيانات، فأنت أشبه بمن يعيش في بيت زجاجي مكشوف تمامًا وبلا أسرار.
تعبير شديد الدلالة.. «عريان في بيت من زجاج»!
بالتأكيد. هناك تجربة أجراها شخص اشترى هاتفين متطابقين؛ أغلق البيانات في أحدهما وتركها مفتوحة في الآخر، وسار بهما في المسار نفسه، ثم حسب كمية البيانات التي أرسلتها الهواتف إلى خوادم جوجل.
الهاتف الذي كانت البيانات مفتوحة عليه أرسل خلال ثلاث ساعات نحو 300 ألف حزمة معلومات، وعندما فتح الهاتف الثاني بعد عودته أرسل أكثر من 360 ألف معلومة؛ لأنه أخذ وقته في تحليل البيانات بصورة أكثر تفصيلًا.
الهاتف الأول أبلغ الخادم بأنه مر بجوار مستشفى للأطفال، بينما الهاتف الثاني استطاع تحليل المعلومات بصورة أعمق.
هل يمكن أن تؤثر التكنولوجيا والموجات في الصحة أو الحالة النفسية؟
الموجات الكهرومغناطيسية لها مخاطر، لكن الأخطر في رأيي هو التدخل النفسي وتطويع المزاج والتفكير عبر الذكاء الاصطناعي وخوارزميات شبكات التواصل الاجتماعي.
الخوارزمية تدرس اهتماماتك من خلال ما تقرأه وما تطرحه أمامك، ويمكنها التأثير في حالتك المزاجية. هي لا تقرأ أفكارك الغيبية، لكنها تفهم نمطك المعرفي؛ فإذا قرأت موضوعين معينين، تستطيع أن تتوقع بدرجة كبيرة الموضوع الثالث الذي قد تفكر فيه، ثم تقدمه لك.
أين تقيم حاليًا؟ في مصر أم خارجها؟
إقامتي الأساسية في مصر، ولدي أيضًا إقامات في دبي وكندا.
وهل تشارك في أنشطة داخل مصر؟
لدي شركاتي، وأشرف وأشارك مع شباب مصريين في تأسيس وإدارة نحو 7 أو 8 شركات ناشئة لمساعدتهم على تطوير أفكارهم.
وكيف تساعد هؤلاء الشباب؟
هناك ثلاث مراحل:
1. بلورة الفكرة: لأن الشباب يميلون أحيانًا إلى التسرع، وفي التسرع تضيع تفاصيل مهمة.
2. التحقق العلمي والتطبيقي: بأقل تكلفة ممكنة.
3. الدعم الإداري والتسويقي: من تأسيس الشركة إلى الهيكلة ونسب المساهمين والتسويق.
وأقدم الاستشارات مجانًا، لكن إذا احتاج الأمر إلى تمويل ورواتب وتأسيس، ندخل كشركاء بحصص استثمارية لمساعدتهم أيضًا على تسجيل براءات الاختراع دوليًا.
هل كان من الممكن أن تبتكر الواي فاي داخل مصر؟
إجابتي القاطعة: لا، لسببين:
الأول هو البيئة الذهنية: في كندا كنت قادرًا على التركيز في الفكرة نفسها لمدة 16 ساعة متواصلة يوميًا، من الصباح وحتى النوم، دون مشتتات أو أعباء حياتية تعطل التفكير.
والسبب الثاني هو الاطلاع على أحدث ما وصل إليه العلم: لكي تبتكر شيئًا جديدًا، يجب أن تعرف أين يقف العلم اليوم. عندما التحقت بشركة الاتصالات، كنتُ أطلع على أحدث ستة أبحاث ومقترحات عالمية للجيل القادم، وكانت لا تزال على الورق ولم تُنشر، فاكتشفنا عيوبها وطرحنا البديل.
وهذا هو الدور الذي يجب أن يقوم به العلماء في مصر: أن ينقلوا المعرفة من أحدث نقطة وصل إليها العالم إلى داخل الوطن.
كيف يمكن للدولة الاستفادة من علمائها في الخارج؟
المشكلة مركبة؛ فهناك جانب يتعلق بالدولة، فقد عانى العلماء من التهميش سنوات طويلة ولم يكن العلم دائمًا في صدارة الأولويات، والجهود الحالية لجذب العلماء تقتصر أحيانًا على المؤتمرات واللقاءات البروتوكولية. لكن العلماء الموجودين في الصف الأول عالميًا يحتاجون إلى تعامل مختلف، ودعوات شخصية، ومشروعات وطنية محددة.
وفي المقابل، هناك جانب يتعلق بالعلماء أنفسهم؛ فبعض العلماء في الخارج قد يصيبهم قدر من الغرور وشعور بأن الدولة قصرت في حقهم، ويطلبون حفاوة واستقبالًا مبالغًا فيهما. المسألة تحتاج إلى توازن من الطرفين.
ومن أفضل الدول في الاستفادة من أبنائها وعقولها في الخارج؟
إسرائيل بلا شك؛ فقد عملت على ربط نخبة من المجتمع العلمي والسياسي والاقتصادي في الولايات المتحدة بها، وجعلتهم مرتبطين بها بصورة وثيقة.
وهل تواصلت معك وزارات مصرية للاستفادة من خبرتك؟
لا، لم يحدث معي أي تواصل رسمي مباشر من وزارات الاتصالات أو البترول. وزارة الخارجية تبدي في الآونة الأخيرة اهتمامًا بربط المصريين في الخارج، لكن إذا استمرت الأمور بالأسلوب الروتيني القديم فلن نحقق النجاح المطلوب.
ما أعلى تكريم أو تقدير حصلت عليه خلال مسيرتك؟
ربما كان أهم موقف تكريمي بالنسبة لي في كندا؛ كان المحافظ يُنتخب بالاقتراع المباشر، وكانت ميزانية المحافظة ضخمة جدًا. أصيب المحافظ بالسرطان، وفوجئتُ به يستدعيني ويقول لي: «أنت رابع شخص في العالم يعلم بمرضي، وأريدك أن تترشح وتخلفني في هذا المنصب كمحافظ».
رشحك لتكون محافظًا؟ وهل وافقت؟
نعم، وكان شرفًا كبيرًا لي، لكنني اعتذرتُ ورفضتُ. استغربوا جدًا؛ لأنهم كانوا يرون أن هذا المنصب قد يقودني إلى رئاسة الوزراء خلال سنوات بحسب المؤهلات التي أمتلكها، لكنني لم أكن راغبًا في الانخراط في عالم السياسة.
هل ينبغي للعالم أن يكون رجل أعمال أيضًا؟
هذا المزيج نادر وصعب جدًا. لولا أن بعض الأشخاص دفعوني إلى خوض عالم الأعمال لما دخلته؛ فعقلية رجل الأعمال تختلف كثيرًا عن عقلية العالم. العالم يميل إلى الجانب النظري، بينما يحتاج رجل الأعمال إلى مهارات عملية وإدارية معقدة، والجمع بين الاثنين ليس سهلًا.
بعد هذه الرحلة الطويلة.. ما الحلم الذي لا يزال يراودك؟
حلمي الأسمى أن ندخل الجنة بغير حساب، فهذا هو الفوز الحقيقي في الآخرة، لكن طريقه يمر بما نقدمه في دنيانا.
أما على المستوى العملي، فأحلم بأن تصبح الاتصالات رخيصة ومتاحة لكل إنسان، وأن يصبح العلم متاحًا للجميع، وأن يركز الناس على العلم باعتباره قيمة وغاية.
محمد صلاح نموذج رياضي وإنساني رائع، لكن من الصعب أن تقول لشاب: «افعل مثل محمد صلاح لتصبح مثله»، لأن هناك موهبة وظروفًا وقدرات خاصة. أما العلم، فيمكنك أن تقول للشاب: «ذاكر واجتهد وتفوق، وستصل إلى ما وصلت إليه». العلم طريق واضح ومتاح للجميع.
ما النصيحة التي تركها والدك فيك ولا تزال ترافقك حتى اليوم؟
والدي كان رجلًا إذاعيًا ومثقفًا، وقال لي في صغري نصيحة لا أنساها: «إذا لم ترَ الشيء بعينيك، وتلمسه بيدك في الوقت نفسه، أو تثبته لنفسك ببراهين قطعية لا تقبل الشك، فلا تصدقه أبدًا».
هذه النصيحة محت من عقلي أي فجوات علمية؛ فعندما أقرأ بحثًا أو أستمع إلى أستاذ ولا أقتنع، أعرف فورًا أن هناك فجوة أو نقطة بحث جديدة يجب أن أكتشفها بنفسي.
لمن تقول «شكرًا» بعد هذه الرحلة؟
أولًا: أقول شكرًا لوالدتي ووالدي وإخوتي؛ أصحاب الفضل الأول في تربيتي ورعايتي.
ثانيًا: أدين بعرفان لا ينتهي للمثل الأعلى سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام؛ فاتباع سنته ومنهجه يجعل الإنسان يتصرف بحكمة ويتخلص من التفكير في الأمور التافهة.
على المستوى العملي: أشكر شريكي الدكتور ميشيل فتوش؛ فقد كان أروع شريك ومثالًا للتعاون الإنساني والعلمي بين أبناء مصر.
وكلمة أخيرة للشباب؟
نصيحتي تنحصر في ثلاثة أمور:
1. افعل ما تحب: وإذا لم تستطع، فأحب ما تفعله وأقبل عليه.
2. اعمل كثيرًا:فالمذاكرة والاجتهاد واجب، والوقت طويل لإرضاء النفس والوالدين.
3. أخلص في عملك: والإخلاص يعني أن تعترف بما تجهله، وتبحث عن الحقيقة، وتتقن كل خطوة دون تزييف.
إذا حققت هذه العناصر الثلاثة، فلا تسأل عن المال أو النجاح؛ فكلاهما سيأتي إليك حتمًا.
