رئيس التحرير
عصام كامل

الحل قبل الأخير.. الإنسان أولًا

18 حجم الخط

قادني شغف الصحفي الذي لا يشيخ رغم ظروف صحية طارئة ؛ أن أستقل المونوريل للمرة الأولى، انطلقت من محطة استاد القاهرة قاصدًا محطة مدينة العدالة بالعاصمة الإدارية الجديدة، وعلى مدار 22 محطة، كنت أطالع من نافذتي العالية مشروعًا هندسيًا عبقريًا يخترق السحاب ويخاطب المستقبل بلغة العصر. 


في تلك اللحظة الكاشفة، وبينما تتهادى العربات الأنيقة المكيفة  المعلقة في الهواء، وسط حرارة القاهرة الحارقة، قفزت إلى ذهني مقولة الفنان الراحل نور الشريف، التي صاغها بعبقرية السيناريست الكبير بشير الديك في فيلم أيام الغضب، حين أطل من نافذة الطائرة متأملًا الوطن ليصرخ بصدق موجع: "أنتِ حلوة قوي يا مصر من فوق!".

 

نعم.. مصر من أعلى تبدو مبهرة، جسور ومحاور وناطحات سحاب منها البرج الأيقوني وبرج فوربس تعانق الأفق، لكن، ومع كل توقف في هذه المحطات الاثنين والعشرين، كان ثمة سؤال يلح على عقلي: ماذا عن القاهرة من أسفل؟ ماذا ينقصنا على الأرض؟

 

مررت بمحطة جامعة الأزهر، فشاهدت صروحًا تعليمية، وسألت نفسي: هل تكفي هذه  الجدران لبناء العقول؟ أين مشروع التعليم الذي يصنع وعيًا يحمى الوطن ومواطنًا حرًا ومسؤولًا؟ ومررت بمحطة المستشفى الجوي التخصصي، مستشفى رائع بلا شك  فتأملت واجهات الرعاية الصحية المتقدمة، وعدت لأسأل: أين منظومة الرعاية الصحية الشاملة التي تحفظ كرامة المريض الغلبان  وتحميه من الانزلاق إلى هوة العجز أمام مستشفيات متهالكة، أو فواتير مستشفيات لائقة لا يستطيع تحمل 1% منها ليُعالج بكرامة؟


البنية التحتية حاضرة ومبهرة من فوق، لكنها تظل هياكل صماء إن لم تسكنها الروح من أسفل روح الملايين، إن أزمتنا الحقيقية عبر عقود ليست غياب الأسفلت أو ندرة الخرسانة، وان كان قد طالها تطوير مدهش نرصده جميعًا ولكن ازمتنا  كانت إزاحة متعمدة للإنسان عن صدارة المشهد.


لو أننا امتلكنا الجرأة والإرادة لنجعل مبدأ الإنسان أولًا هو المحور الحاكم  والمحرك الأساسي لكل سياساتنا، لتحولت هذه الإنجازات البنيوية  الهائلة  إلى نهضة إنسانية شاملة. هذه الحقيقة ليست اكتشافًا حديثًا، بل هي الإرث الذي جفت أقلام روادنا في تسطيره وبُحّت أصواتهم في المناداة به دون مجيب.


لقد نادى عبقري الجغرافيا جمال حمدان في موسوعته الخالدة شخصية مصر، بأن عبقرية المكان لا تكتمل أبدًا إلا بعبقرية "الإنسان" الذي يعمره ويمنحه الروح.


وحذرنا المفكر الراحل ميلاد حنا في صرخته الأعمدة السبعة لشخصية مصر - الذي أهداني نسخة منه في أحد حواراتي معه، حذر من أن التفريط في النسيج الإنساني والاجتماعي هو هدم لأهم أعمدة بقائنا.


كما أمضت أستاذتي الراحلة الكاتبة الكبيرة نعمات أحمد فؤاد عمرها مدافعة عن كرامة المواطن، مؤكدة أن ثروة مصر ومحور نهضتها لم تكن يومًا في حجارتها بل في شخصية مصر البشرية.
 

لقد أدرك هؤلاء العمالقة أن تهميش الإنسان هو إهانة للتاريخ والجغرافيا معًا. حتى في قطاعات حيوية كالأمن، وحتى ونحن نقصُد مدينة العدالة، يظل الإنسان هو المعيار الأوحد، فالأمن الحقيقي والعدل لا يتحققان فقط بفرض النظام بقوة الردع، بل بخلق بيئة مجتمعية عادلة تجعل المواطن يشعر يقينًا أن القانون مظلة تحميه وليس سيفًا مُسلطًا على رقبته.


هنا، تتلاقى أصوات مفكرينا مع الصرخة الإنسانية التي أطلقها الروائي الروسي العظيم مكسيم جوركي في رائعته الحضيض، حين قال: "الإنسان.. يا لها من كلمة عظيمة، إنها ترن في الآذان رنينًا يدعو للفخر!". هذا الفخر بـ الإنسانية هو ما نفتقده حين تتحول الأرقام والموازنات إلى ضجيج بلا طحن، متجاهلين أنين الطبقات المسحوقة من سعار الأسعار وواقع معيشي مؤلم وقاس.

 

إن بناء الإنسان المصري وتكريمه ليس رفاهية فكرية، بل هو الحل قبل الأخير للخروج من نفق الأزمات المظلم.
الاستثمار الحقيقي يجب أن يوجه لعقل الإنسان وتعليمه، وصحته، وأمانه وأمنه النفسي.

متى أدركنا بصدق أن المواطن هو الغاية، وأن كل مؤسسات الدولة ومشروعاتها العملاقة ما هي إلا أدوات لخدمته وحفظ كرامته، حينها فقط سنضع أقدامنا على المسار الصحيح. فلنجعل الإنسان أولًا هو طوق نجاتنا الذي يجب أن نتشبث به اليوم بكل ما أوتينا من قوة.. قبل أن نجد أنفسنا، يومًا ما، مضطرين لمواجهة خطر الحل الأخير..
الإنسان أولًا.. اجعلوه شعارنا ومشروعنا القومي الجديد.

الجريدة الرسمية