رئيس التحرير
عصام كامل

بسملة وتوحش السوشيال ميديا

18 حجم الخط

على أسفلت الدواويس بمحافظة الإسماعيلية، لم تُسحق فقط أجساد بريئة لأطفال خرجوا فجرًا بحثًا عن لقيمات تسد رمق الجوع، بل سُحقت معهم بقايا إنسانيتنا، لم تكن الطفلة بسملة مجرد رقم عابر في حصيلة ضحايا حادث مروع أودى بحياة 19 شخصًا إثر انفجار إطار سيارة "ربع نقل" متهالكة، بل كانت تجسيدًا حيًا لفاجعة الفقر القاتل، والخلل المجتمعي، وغياب مظلات الحماية الاجتماعية الواجبة خاصة للأطفال بموجب مواد الدستور وقانون حماية الطفل.

 

لكن المأساة لم تنتهِ عند حدود القبر وتصاريح الدفن ودموع الأهل، بل امتدت لتكشف عن وجه أبشع في الفضاء الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي.. الفيس بوك وأخواتها! 


ففي وقت يجب أن ينحني فيه المجتمع احترامًا وحزنًا أمام دماء طفلة بريئة، انطلقت آلة الاغتيال المعنوي لتمارس أبشع أنواع "لوم الضحية" انتشرت الشائعات بشكل مرعب، تدعي زورًا وبهتانًا أن والد بسملة يمتلك أراضٍ زراعية وأبقارًا وثروات طائلة، وأنه، بدافع الجشع والطمع، كان يخرجها عنوة للعمل الشاق مقابل أجر زهيد لا يتجاوز 100 جنيه يوميًا وللأسف شارك في هذا العبث شخصيات معتبرة مع طوبان من السخرية القحة التى لم تحترم ألم الضحايا.

 

هذا التوحش الرقمي ليس إلا محاولة سيكولوجية بائسة يائسة من العقل الجمعي الذي ينقسم بين "ايجبت" التى تحدثت تعليقات بعض أصحابها ساخرين مستخفين و"مصر" المطحونة للهروب من قسوة الواقع وعبثية الموت العشوائي عبر ما يُعرف بـ "مغالطة العالم العادل" هذه النظرية النفسية الشهيرة حيث يُجرم المجتمع الضحايا وذويهم ليقنع نفسه بأنه في مأمن من هذه الكوارث.


لقد حوّلوا مأساة أسرة يكويها الألم إلى مادة استهلاكية رخيصة بلا رحمة وبلا إنسانية، ممارسين عملية "تسليع المأساة" والبحث عن مشاهدات بلا ضمير وتجريد الآخرين حتى من إنسانيتهم دون ذرة من رحمة، مصادرين حتى حق الأسرة البسيط في الألم والحزن والدموع والحداد.

 
وفي رحلة سريعة للتحقق عبر المصادر المفتوحة بحكم أنني تعديت الستين! ويمكن أن يقوم بها  شباب المواقع الاخبارية بتقصي ميداني يتضح سريعًا هذا الزيف المسموم.

 
فالأب المبتلى المكلوم، أشرف السيد، لم يكن يومًا وحشًا جشعًا، بل هو رجل طريح الفراش وعاجز عن العمل منذ أكثر من عشر سنوات بسبب مرض مزمن استنزف كل موارده، إنها أسرة تعيش تهميشًا ومعاناة واضحة، محرومة من أبسط مقومات الحياة، حيث رُفضت طلباتها للحصول حتى على بطاقة تموين أو معاش تكافل وكرامة. 
 

أما أكذوبة الثراء والأراضي، فقد تبددت أمام شهادة الجدة الباكية التي أكدت أن الأسرة قد تمر عليها اسابيع دون أن تتذوق قطعة لحم، وأن كل ما في الأمر هو فدان واحد تمتلكه الجدة أرض زراعية  ويورث لسبعة أبناء، وهو ما لا يشكل أي قيمة اقتصادية تذكر، ومن "يفلحون" الأرض الزراعية يعلمون أنهم يستدينون لزراعة أرضهم المفتتة.

 

في يوم الحادث، وهو يوم عطلة بسملة الأسبوعية الوحيد، رفضت ذات السنوات الغضة أن ترتاح، وقفت أمام والدها المريض، مدفوعة بنضج قسري فرضه واقع مرير طال ملايين الأسر "الحاجة والعوز"، وقالت كلماتها التي يجب أن تُحفر على جبين من أرادوا ذبحها مرتين "أنا نازلة أشتغل يا بابا عشان مش عاوزين نحوجك لحد". 
خرجت بسملة لتحمل عبء رجال لتوفير نفقات العلاج والخبز، فصعدت روحها إلى السماء، تاركة خلفها أبًا يُذبح كل يوم ألف مرة بسكاكين الشائعات.

يقول الأديب البرتغالي جوزيه ساراماجو في روايته الأشهر "العمى": أعتقد أننا عميان، عميان يرون بشر عميان  يستطيعون الرؤية لكنهم لا يرون أبدًا.. 

وكم بيننا حادي البصر ولكننا عميان حين ننساق خلف خوارزميات تبحث عن مال رخيص، لنقتل الضحية مرتين؛ مرة تحت عجلات الإهمال والخلل الاجتماعي، ومرة تحت عجلات الزيف الرقمي، ونحكم على أب مكسور بالإعدام المعنوي ألف مرة،  كفانا جلدًا للمستضعفين، فبسملة لم تكن يومًا أداة لجشع أسرتها، بل كانت ضحية مجتمع تبرأ من مسؤولياته، ثم جلس في مقاعد المتفرجين يحاكم الموتى ويجلدهم في توحش بغيض.

الجريدة الرسمية