رئيس التحرير
عصام كامل

القانون المعطل.. البرلمان يواجه الحكومة بثقوب "106" والشركات العابرة للقارات.. نواب: “تعارض المصالح” تم تفريغه من مضمونه وإعادة النظر فيه قضية أمن قومي.. والتداخل المؤسسي يتسبب في خسائر بالمليارات

المستشار هشام بدوي،
المستشار هشام بدوي، فيتو
18 حجم الخط

في عام 2013، صدر القرار بقانون رقم 106 بشأن «حظر تعارض مصالح المسؤولين» كدعامة رئيسية للحوكمة والشفافية، غيرَ أنه وبعد مرور أكثر من عقد من الزمان، بات يواجه اتهامات برلمانية حادة بالتحول إلى نص «معدوم الأثر»، وتفريغه من مضمونه عبر تعديلات قلصت مهل المحظورات، وعقوبات ضبابية فقدت قدرتها الردعية، ما فتح البابَ أمام ظواهر صارخة: بدءًا من انتقال القيادات فور خروجِها لإدارة كيانات منافسة أو العمل بجهات دولية تتقاطع مع ملفات الدولة، مرورًا بتأسيس أبناء المسؤولين لشركات ذات طبيعة خاصة.

ومع اقتراب دور الانعقاد البرلماني الجديد، يشتعل داخل أروقة مجلسِ النواب حراك رقابي عبر طلبات إحاطة وأسئلة برلمانية عاجلة، لا تطالب فقط بتعديل التشريعات الراهنة، بل بالتفتيش في ملف «من يقرر؟ ولمن يقرر؟ ومن يدفع المقابل؟»، في محاولة لإعادة رسم خطوط الفاصل الحاسمة بين نزاهة القرار العام و«اختراق المصلحة الخاصة".

في البداية أكد النائب عاطف مغاوري، رئيس الهيئة البرلمانية لحزب التجمع بمجلس النواب، أن قانون حظر تعارض مصالح المسؤولين (رقم 106 لسنة 2013) بات في حكم "المعدوم أثرًا" على أرض الواقع، مشيرًا إلى أن تجميده وتفريغه من مضمونه منذ صدوره ساهم في تقويض جهود مكافحة الفساد وحماية المال العام.
وأوضح "مغاوري" أن هذا القانون صدر كقرار بقوة القانون في غياب السلطة التشريعية عام 2013، وأقره مجلس النواب في أول انعقاد له عام 2016 وفقًا للالتزام الدستوري، إلا أن التعديلات والتطبيقات التي طرأت عليه جردته من فلسفته الأساسية.

ولخّص النائب أسباب خلل القانون وعطل أثره في عدد من النقاط، منها، تعديل المدة المحظور فيها على المسؤول الحكومي الانتقال للعمل في القطاع الخاص بذات مجاله – من ستة أشهر إلى ثلاثة أشهر فقط – مما جعله "هو والعدم سواء"؛ حيث تبقى المعلومات والبيانات الحساسة التي حازها المسؤول بحكم موقعه صالحة للاستثمار وتحقيق المنافع الخاصة.

وأضاف: أيضًا ضعف العقوبات والمنافع الواردة في القانون، حيث إن العقوبة المقررة في القانون برد قيمة المنافع أو فرض غرامة بقيمتها تشوبها ضبابية في التقدير النسبي، وتفقد القانون قوته الردعية؛ قائلًا:  "من أمن العقاب أساء الأدب، ومن لم يرتدع بالقرآن يرتدع بالسلطان".

وتابع: شهدت العقود الماضية نماذج لقيادات حكومية انتقلت بعد مغادرة موقعها لإدارة شركات خاصة منافسة في ذات المجال، أو قامت بشراء أصول بالقطاع العام، مما أدى إلى تخسير المؤسسات الرسمية وتسهيل تصفيتها وإخراجها من المنافسة بناءً على داتا ومعلومات سابقة.

وأضاف رئيس الهيئة البرلمانية لحزب التجمع بمجلس النواب: كما يتجاهل القانون، حالة انتقال وزراء أو مسؤولين عن الملفات الاقتصادية والمالية (مثل وزراء المالية والاستثمار) فور خروجهم من مناصبهم للعمل بمؤسسات دولية كصندوق النقد أو البنك الدولي، ليتولوا التفاوض والإشراف على الملفات المصرية ذاتها، رغم عدم استيفائهم القواعد والاشتراطات الملزمة كالحصول على تصاريح عمل مسبقة للجهات الأجنبية أو الالتزام بمدد فاصلة.

وتابع رئيس برلمانية التجمع أن أزمة حظر تعارض المصالح تأتي بالتوازي مع حزمة من الاستحقاقات التشريعية والرقابية الغائبة؛ حيث لم تصدر حتى الآن قوانين مكملة للدستور كقانون "مكافحة الفساد" وقانون "مناهضة التمييز"، فضلًا عن تعطل تطبيق قوانين أُقرت بالفعل مثل "قانون رعاية المسنين" (الصادر في أبريل 2024) لعدم صدور لائحته التنفيذية حتى الآن رغم انتهاء المهلة المحددة لها.

وطالب "مغاوري" الحكومة بضرورة ممارسة "الرقابة على الأثر التشريعي" للسياسات والقوانين، والتقدم بمشروع قانون متكامل لتعديل القانون رقم 106 لسنة 2013 مع بداية دور الانعقاد القادم في أكتوبر، تفعيلًا للتوجيهات الرئاسية الأخيرة بشأن اقتلاع الفساد، معقبًا: "مواجهة الفساد لا تبدأ من قاعدة الهيكل الإداري والموظف الصغير فحسب، بل يجب أن تبدأ محاربته من رأس الهيكل القيادي لتأمين الانضباط والالتزام الشامل، واستعادة ثقة المواطن في مؤسسات الدولة".

وبدوره قال النائب أحمد فرغلي، عضو مجلس النواب، إن ذلك الملف خطير جدًا ولا يتوقف حد خطره عند تطبيق ذلك القانون، بل هناك ما هو أبعد وأخطر منه وهو شبهات الفساد حول الوزراء والمسؤولين المتواجدين في مناصبهم، وليس بعد خروجهم من المنصب فقط.

وأعلن فرغلي، عن تحركه لتجهيز طلب إحاطة لتقديمه مع بداية جلسات دور الانعقاد القادم للمجلس، يستهدف فتح ملف شائك يتعلق بشبهات الفساد الناتجة عن تضارب المصالح داخل الجهاز التنفيذي للدولة، متعهدًا بمواجهة شاملة تتناول رأس السلطة في الحكومة وصولًا إلى الوزراء.
وأكد “فرغلي” أن أزمة تضارب المصالح أصبحت تجسد شكلًا من أشكال الفساد المغلف بقانونية صورية، موضحًا: «الأزمة الحقيقية ليست في عجز النصوص التشريعية؛ فمصر لا تحتاج إلى قوانين جديدة، وكافة الأطر التشريعية المنظمة للحوكمة ومحاربة الفساد موجودة بالفعل، لكن المشكلة تكمن في غياب نية التنفيذ، وغياب الإرادة الحقيقية، وآليات المحاسبة والشفافية الرقابية».

واستطرد النائب مفصلًا ما وصفه بـ «الالتفاف الصريح على الحوكمة»: «الحديث عن نفي الفساد بدعوى الالتزام بالحد الأقصى للأجور أو غياب الشبهة المالية المباشرة لم يعد مقنعًا، فكيف يُسمح لرئيس حكومة أو لوزراء بالجمع بين مناصبهم التنفيذية وعضوية مجالس إدارات بنوك تجارية؟ وكيف توجد بنوك وشركات لها معاملات ومصالح مالية مباشرة أو غير مباشرة مع الوزارات التي يتولى هؤلاء الوزراء حقائبها؟».
وأضاف أن الأزمة تزداد خطورة حينما تمتد إلى النفوذ الأسري للمسؤولين: «ما نراه من قيام أبناء بعض الوزراء بتأسيس شركات أو الدخول كشركاء في كيانات قائمة تعمل في ذات نطاق ونشاط وزارات آبائهم يُعد تربحًا صريحًا وتضاربًا فجًا للمصالح، فهم يستغلون المعلومة والسر التنفيذي المتاح للوزير، ويتحايلون بأوضاع ظاهرها ممارسة أعمال مشروع لتحقيق أهداف ومكاسب غير مشروعة».

وأشار عضو مجلس النواب إلى أن التجاوزات لا تتوقف أثناء شغل المناصب فقط، بل تمتد لما بعد خروج الوزراء من الحكومة، حيث يرتبط بعضهم فور تركهم مناصبهم بشركات خاصة تعمل في ذات قطاعات وزاراتهم السابقة، مستغلين ما بحوزتهم من أسرار وقواعد بيانات.

واختتم “فرغلي” تصريحه بالتشديد على أن تضارب المصالح مسألة قائمة حتى وإن ادعى البعض عدم وجود نص مباشر يمنعها في بعض الحالات، مؤكدًا أن الأعراف والحوكمة تقتضي تدخلًا عاجلًا من الأجهزة الرقابية لتفعيل دورها وتطبيق الشفافية الكاملة لحماية المال العام ومنع تغليب المصلحة الشخصية على مصلحة الدولة.

فيما أعلن النائب حسام حسن الخشت، عضو مجلس النواب، عن تقدمه بسؤال برلماني بالغ الأهمية موجه للحكومة، يطالبها بالكشف بشفافية كاملة عن حقيقة شغل وزراء وكبار مسؤولين تنفيذيين لعضويات مجالس إدارات بنوك، وشركات، وجهات اقتصادية بالتوازي مع مناصبهم، مع إفصاح شامل عن طبيعة السند القانوني والمقابل المالي والمزايا التي يحصلون عليها.

وأكد «الخشت» أن تحركه البرلماني لا يستهدف أشخاصًا بعينهم ولا يسعى للإدانة أو التشهير، وإنما يضع اليد على قضية جوهرية تتصل بـ استقلال القرار الاقتصادي ومكافحة تضارب المصالح وحماية المال العام.


ليست قضية "كم تقاضى المسؤول".. بل "لمن يصبح القرار؟"
وأوضح النائب حسام الخشت أن خطورة الوضع لا تكمن فقط في قيمة المكافأة أو بدل الحضور، حتى وإن كانت العضوية مبنية على سند قانوني أو تمثيل للمال العام. مبينًا أن السؤال الأهم والأخطر الذي تجب الإجابة عنه هو: «هل يستطيع أي مسؤول تنفيذي أن يتخذ قرارًا عامًا بشفافية واستقلالية كاملة، بينما يرتبط بمصلحة مالية أو مؤسسية مع جهة قد تستفيد مباشرة من هذا القرار؟».

وحذر «الخشت» من الوضع الراهن الذي يضع المسؤول في منطقة رمادية؛ حين يصنع الوزير السياسة العامة أو يملك سلطة تنظيمية على قطاع ما (كالضرائب، والاستثمار، والأراضي، والتمويل، والاستيراد والتصدير)، ثم يجلس في الوقت نفسه على مقعد مجلس إدارة بنك أو شركة تعمل داخل هذا القطاع.

وأضاف: «حتى لو لم تكن هناك رشوة صريحة أو فساد مُثبت، فإن مجرد استغلال النفوذ المؤسسي يضع استقلالية القرار العام محط شكوك جادة، وهو ما يتنافى مع أبسط مبادئ الحوكمة».

وشدد النائب على أن الدولة الحريصة على محاربة الفساد لا تنتظر وقوع الجريمة لتتحرك، بل يتوجب عليها منع تصميم الوظائف الذي يتيح تضارب المصالح من الأصل، مشيرا إلى أن الفساد الحديث لم يعد يقتصر على حقائب الأموال، بل يرتدي ثوبًا قانونيًا شكليًا في صورة بدلات حضور، ومكافآت لجان، ومزايا عينية، ونفوذ متبادل يفرغ المصلحة العامة من مضمونها.

ونبه «الخشت» إلى أن الخطر الأكبر لا يقف عند الفساد الفردي المعزول، بل في تحول شبكات المصالح إلى "نظام لإنتاج القرار الاقتصادي نفسه"، عبر دائرة مغلقة يصنع فيها المسؤول القرار فتستفيد الجهة وتكافئ المسؤول ليستمر شبكيًا في موقعه. 

وقال: «هذا التداخل المؤسسي ينتج خللًا يصعب اكتشافه، ويتسبب في خسائر اقتصادية بمليارات الجنيهات دون أن يسرق أحد جنيهًا واحدًا من الخزينة؛ بمجرد صدور قرار اقتصادي انحيازي، أو منح ميزة لمن لا يستحق، أو حجب التمويل عن منافسين خارجيين عن هذه الشبكات، وهو ما يتجلى بوضوح في اتساع الفجوة الطبقية وتلاشي الطبقة المتوسطة».
وطالب النائب حسام الخشت الحكومة بالإجابة عن قائمة محددة من الأسئلة لإنهاء تلك المناطق الرمادية، تضمنت كشف الحقيقة حول: طبيعة العضويات وسندها، وبيان إجمالي ما تقاضاه المسؤولون كبدلات ومكافآت ومزايا عينية ومصادر تحملها خلال أعوام 2024 و2025 و2026، ومدى إعلان هذه الدخول في إقرارات الذمة المالية وتعارض المصالح، ومدى امتناع المسؤول عن المشاركة في أي قرار يتقاطع مع مصلحته.
واختتم «الخشت» تصريحه بالتشديد على أن القضية تتجاوز مجرد فحص مكافأة لتصل إلى "مفهوم الأمن الاقتصادي الوطني"، داعيًا إلى مراجعة شاملة لمنظومة مجالس الإدارات ترتكز على الفصل التام بين السلطة والمصلحة.

نقلا عن العدد الورقي

الجريدة الرسمية