رئيس التحرير
عصام كامل

مصر ليست صفحة للحوادث

18 حجم الخط

تعيش منصات إعلامية عربية كثيرة على “حس” مصر، بدلا من أن تركز على أخبار مجتمعاتها، تتوسع في تغطية أخبار مصر.. لكن بعضها ينتقي ما ينشر. يضع في المقدمة أخبار الجريمة، خاصة أكثرها غرابة وأشدها بشاعة.

 

على النقيض، تتجنب تلك المنصات في الغالب نشر أي أخبار عن أية جرائم تقع في مجتمعاتها أو حتى في دول مجاورة.. وكأن الناس من حولنا كلهم ملائكة يسيرون على الأرض. وكأنه ليس هناك أقسام شرطة ولا حوادث ولا محاكم من أي نوع، إلا داخل مصر. (في دولة خليجية شقيقة، عندما تشير الصحف للجاني باعتباره ”خليجيًا“، يعرف القراء إنه أحد مواطني تلك الدولة).


طبعا مفهوم جدًا محورية مصر في العالم العربي والشغف الجارف بمتابعة أخبارها. لكن هذا الإصرار على حشر اسم مصر في عنوان كل خبر عن جريمة، مهما كانت بسيطة، أو وقع مثلها، بل وأشد منها، في كل العالم، لهو أمر غريب ومثير للدهشة وربما الريبة. لا يبرره حتى السعي وراء زيادة عدد القراء والمشاهدين.


يأتي ذلك في سياق أوسع، وهو إطلاق مؤسسات إعلامية عربية شهيرة منصات خاصة لأجل مصر، لكل منها توجهاتها وتحيزاتها السياسية. وكأنها ”ريمونتادا“ إعلامية عربية تأتي متأخرة جدا بعد 73 عامًا من إطلاق مصر المنصة الإذاعية الشهيرة ”صوت العرب“، لدعم القضايا العربية. لكن هيهات الفارق والدافع والواقع.


على الضفة الأخرى، لا تبدي وسائل الإعلام المصرية تجاه أحوال العرب، قدرًا مماثلًا من الاهتمام. فالعالم العربي في إعلامنا مسطح تقريبًا. يتم تغطيته أفقيًا وفي أضيق نطاق. فلن تعرف الكثير عن التعقيدات الاجتماعية مثلًا أو التطورات الاقتصادية أو حتى الثقافية في الدول العربية.


التركيز جله على الشأن المحلي (القاهرة وضواحيها)، في الميديا المصرية المشغولة بقائمة محددة ومحدودة من القضايا والشخصيات والنجوم، لا تتعداها لغيرها، ولو حتى في صفحات الرأي، مع أن مصريين بالملايين يعيشون في الدول العربية الخليجية. 

أكاد أسمع من بعيد أحدهم يقول: وهل يهم ذلك في شيء؟ هناك مصريون بالملايين أيضًا يعيشون داخل مصر، وإعلامنا لا يراهم كأنهم خارج تغطية الشبكة الوطنية. كلام صحيح ينبغي وضعه في الاعتبار. أما تغطياتنا الخارجية.. فهي محجوزة دائما للشؤون الأميركية والأوروبية.


المفارقة الغريبة، أن المعادلة نفسها، تحكم تقريبًا العلاقة بين الميديا البريطانية والولايات المتحدة، لكن مع اختلافات جوهرية. فالصحف ومحطات التلفزيون في المملكة المتحدة تركز كثيرا على متابعة الشؤون الأميركية، جدها وهزلها، بتغطيات معمقة وإصدارات موجهة خصيصا للسوق الأميركية، لكن بدون أهداف سياسية أو تركيز خاص على الجرائم. 

تفعل ذلك مؤسسات كبرى مثل إيكونوميست والفايننشال تايمز والجارديان والديلي ميل وبي بي سي لزيادة أرباحها من خارج السوق المحلية المحدودة. وليس أمامها أفضل من السوق الأميركية. فالفرص أوسع والجمهور أكبر واستعداده أفضل للاستماع إلى سرديات مختلفة للشأن الداخلي أكثر اتزانًا وأقل تحيزًا. 


لم تتبن وسائل الإعلام العربية النهج نفسه في تغطياتها لمصر. جري بعضها وراء أخبار الجرائم، يكاد يحول مصر إلى مجرد صفحة كبيرة للحوادث في أعين القراء العرب. وهو ظلم بين يشوه صورة شعب ودولة بحجم وتاريخ وإنجازات مصر.

فهل نحن بحاجة إلى تذكير تلك المنصات بأن الجرائم لا تقع في المحروسة فقط؟! أما إذا كان لا بد من الجريمة.. فالأقربون أولى بالمعروف.. أقصد بالتغطية. لأن هناك على الأرجح حوادث قتل وسلب واغتصاب تقع على مرمى حجر من تلك المنصات. ومع ذلك نقول: الجريمة لا تفيد أحدا على الإطلاق. لا مرتكبها ولا ضحاياها طبعا.. ولا ناشرها الذي يختزل وطنًا عظيمًا فيها بقصد أو بدون قصد.
ahmedmostafaalomla@gmail.com

الجريدة الرسمية