زلزال في جيبك!
في اللحظة التي سبقت زلزال 3 أغسطس وقبل اهتزاز الأرض بثلاث ثوانٍ، أضاءت تليفوناتنا المحمولة محذرة من زلزال قادم، هذا إنجاز فيزيائي وهندسي يُعرف بالإنذار المبكر للزلازل Earthquake Early Warning يعتمد على الرصد اللحظي وليس التنجيم.
أما في مقاهي القاهرة، فالأمر لا يعدو كونه نكتة رقمية؛ حيث يتساءل المصريون بتهكم: ماذا أفعل في ثلاث ثوانٍ؟ هل أقرأ الشهادتين أم أُكمل كوباية الشاي بالنعناع؟ وآخر يسخر"يادوب ألحق أشحن كارت الكهربا علشان الورثة"!
ويخرج أحد مشايخ التيك توك بتحليل عبقري أن الزلزال جاء نتيجة غضب الله على المصريين بسبب سماعهم أغنية روبي الجديدة "أنا تنكة شوية"! ذكروني بالسخرية التي طافت مصر في عام 1967 قبل ظهور الانترنت وجنون السوشيال ميديا عندما كتب حسين السيد ولحن منير مراد وغنى محمد رشدي أغنيته "كعب الغزال".."ماتبطل تمشى بحنية ليقوم زلزال"!
بين دقة الخوارزميات وسخرية الشارع، تختبئ قصة أعظم شبكة رصد زلزالي في تاريخ البشرية، تسكن في جيوبنا جميعًا.
يجب أن نضع حدًا لأسطورة التنبؤ، تؤكد المراجع الجيوفيزيائية أنه لا توجد أي تقنية علمية قادرة على معرفة موعد الزلزال قبل بداية التصدع الفعلي في قشرة الأرض.. إذن، كيف يسبق الإشعارُ الزلزالَ؟ المسألة ببساطة هي سباق سرعات في مضمار الفيزياء..
عندما تبدأ القشرة الأرضية في التصدع، تنطلق موجات أولية تسمى P-waves سريعة جدًا لكنها غير مدمرة، تليها موجات ضعيفة تسمى S-waves، وهي بطيئة نسبيًا ولكنها تحمل الخراب كله. الخوارزمية تلتقط الموجة الأولى عبر الهواتف، وترسل الإشارة عبر الإنترنت بسرعة الضوء، فتصلك الرسالة قبل وصول الموجة البطيئة المدمرة.
يعتمد هذا النظام العبقري الذي أطلقته جوجل على ما يسمى مستشعرات التسارع المدمجة في الهواتف، والتي صُممت أصلًا لتدوير الشاشة واحتساب الخطوات تحولت مليارات الهواتف إلى محطات رصد لا مركزية، وهنا تبرز مفارقة برنارد شو الساخرة: الإنسان يخترع تكنولوجيا بالغة التعقيد لإنقاذ حياته، ثم يتذمر لأنها أزعجته أثناء نومه!
تجاهل الساخرون أن هذه الثواني الثلاث كافية لتطبيق بروتوكول الحماية العالمي: "انزل، احتمِ، وتشبث" Drop, Cover, and Hold On.. وهو ما يقلل عدد الضحايا بشكل مدهش. وفي حين يغرد مستخدمو آيفون خارج السرب لافتقارهم لشبكة استشعار ذكية، واعتمادهم على اشعارات الحكومة التى تأخرت في الزلزال الأخير 40 دقيقة كاملة، يحمل مستخدمو أندرويد حارسًا شخصيًا في جيوبهم أنذرهم قبل الحدث ب3 ثواتي!
لكن العلم ليس إلهًا ليقدس، على سبيل المثال في زلزال تركيا المدمر عام 2023، والذي بلغت قوته 7.8 درجة، وقفت التكنولوجيا عاجزة أصيبت خوارزميات جوجل بما يشبه التشبع الخوارزمي، حيث فشلت في قراءة حجم التصدع الهائل وقيمته مبدئيًا بين 4.5 و4.9 درجات..
النتيجة؟ بدلًا من إطلاق إنذار طارئ يوقظ الملايين، أرسلت الخوادم تنبيهًا صامتًا مخصصًا للهزات الخفيفة لم يلحظه النائمون فجرًا، لتثبت الطبيعة أنها تظل أدهى من أعقد الأكواد البرمجية.
التليفون المحمول الذي يسخر منه المصريون ليس مُنجمًا يقرأ الغيب، بل هو انتصار مدهش للتكنولوجيا وللحوسبة السحابية ورغم إخفاقات النظام وتحديات استيعابه للكوارث العظمى، تظل هذه التقنية مفيدة ووسيلة نجاة مجانية لحاملى هواتف الغلابة!.
في المرة القادمة التي يصرخ فيها هاتفك منذرًا بزلزال، أجل سخرية الفيس بوك وتيك توك لما بعد الحدث، وانزل فورًا تحت "ترابيزة السفرة".. فربما تكون التكنولوجيا قد أهدتك عمرًا جديدًا لتطلق فيه المزيد من النكات والأفشات!
* اعتمد هذا المقال على 49 مصدر من المصادر العلمية المفتوحة حول العالم
