رئيس التحرير
عصام كامل

وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط ستيفن داوتي.. الرجل ذو الألف وجه.. انتقادات باهتة لعنف المستوطنين.. ودعم مطلق لسياسات إسرائيل العنصرية ضد الوجود الفلسطيني

ستيفن داوتي صورة
ستيفن داوتي "صورة بالذكاء الاصطناعي"
18 حجم الخط

ستيفن داوتي، بوجه أبيض بيضاوي، وعيون تخفي أكثر مما تظهر، وابتسامة لا تخلو من "خناجر"، بحسب وصف الكاتب البريطاني الراحل ويليام شكسبير، يبدو وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط ستيفن داوتي في صورة رجل سياسي غامض، يوجه بين الحين والآخر انتقادات إلى المستوطنين الإسرائيليين في الضفة الغربية المحتلة، فيما يرفض -في المقابل- تبني أي مواقف حادة تجاه سلطات الاحتلال الإسرائيلي، أو الدفاع عن الحق الفلسطيني في الوجود.

ودفع هذا التناقض في مواقف داوتي جريدة "جويش نيوز" البريطانية، المعنية بالشأن اليهودي في المملكة المتحدة، إلى الإشادة بمواقفه تجاه إسرائيل، معتبرة أن تدخلاته في هذا الملف "معروفة بنزاهتها"!

النزاهة.. لمن؟

إشادة "جويش نيوز" بمواقف داوتي ووصف تدخلاته بشأن إسرائيل وفلسطين بأنها "معروفة بنزاهتها" تفتح بدورها بابا للتساؤل حول المعايير التي تقاس بها هذه النزاهة، وما إذا كانت مواقف داوتي تمثل –بالفعل- موقفا متوازنا من الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، أم أنها تقتصر على انتقاد بعض مظاهر العنف الاستيطاني، بينما تبقي على دعم سياسي أوسع لإسرائيل وسياساتها العنصرية!

فمنذ دخوله البرلمان البريطاني عام 2012، أظهرت مواقف داوتي داخل البرلمان البريطاني فجوة بين انتقاد بعض الممارسات الإسرائيلية وبين اتخاذ خطوات سياسية يمكن أن تضغط على الحكومة الإسرائيلية؛ وبلغت تلك الفجوة ذروتها منذ اندلاع حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة في 7 أكتوبر 2023؛ ففي نوفمبر من العام ذاته، امتنع عن التصويت على مشروع قرار في مجلس العموم يطالب بوقف إطلاق النار في غزة؛ وفي يناير 2024، صوت ضد مشروع ينص على منع الهيئات والمؤسسات العامة المحلية في المملكة المتحدة من فرض حظر على الاستثمار في المستوطنات اليهودية المقامة في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

رفض تعليق بيع الأسلحة البريطانية لإسرائيل

وفي مارس 2024، رفض التوقيع على خطاب يطالب الحكومة البريطانية بتعليق بيع الأسلحة إلى إسرائيل. ووقع على هذا الخطاب 184 عضوا في مجلسي العموم واللوردات من مختلف الأحزاب. وانتقد الخطاب بشدة "تواطؤ" بريطانيا مع جرائم الحرب التي ترتكبها إسرائيل.

رفض داوتي إلزام بريطانيا بتنفيذ أمر المحكمة الجنائية الدولية باعتقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو
رفض داوتي إلزام بريطانيا بتنفيذ أمر المحكمة الجنائية الدولية باعتقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو

وفي 22 مايو 2024، لم يوقع خطابا إلى وزير الحارجية البريطاني السابق ديفيد لامي يطالب بالتزام بريطانيا بتنفيذ أمر المحكمة الجنائية الدولية باعتقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير حربه آنذاك يوآف جالانت لمحاكمتهما بتهم ارتكاب جرائم حرب في غزة. ووقع على هذا الخطاب أكثر من 100 عضو في مجلسي العموم واللوردات من مختلف الأحزاب البريطانية. واتخذ داوتي موقفه الداعم لجرائم الحرب الإسرائيلية رغم إعلانه سابقا الدفاع عن المحكمة واستقلاليتها.

إرهاب ذوي جلدته

لم يتوقف دعم داوتي لسلطات الاحتلال الإسرائيلي، أو ما تصفه الأوساط اليهودية بـ"النزاهة" في التعامل مع الملف الفلسطيني، عند حدود مواقفه من التطورات في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بل امتد إلى الداخل البريطاني نفسه، ليشمل موقفه من الناشطين المناهضين للاحتلال والداعمين للحقوق الفلسطينية.

أيد داوتي تصنيف حركة فلسطين أكشن كمنظمة إرهابية لدعمها الحق الفلسطيني
أيد داوتي تصنيف حركة فلسطين أكشن كمنظمة إرهابية لدعمها الحق الفلسطيني

ففي يوليو 2025، أيد داوتي في مجلس العموم البريطاني قرار وزارة الداخلية القاضي بتصنيف حركة "فلسطين أكشن"، المعروفة بمناهضتها للاحتلال الإسرائيلي ودعمها للحقوق الفلسطينية، منظمة إرهابية، في خطوة أدت إلى ملاحقة المئات من أعضاء الحركة ومناصريها قضائيا، ومثلت توسعا غير مسبوق لاستخدام قوانين مكافحة الإرهاب ضد ناشطين سياسيين ومدنيين.

ومن بين أبرز تداعيات القرار استمرار احتجاز عدد من الناشطات المؤيدات لفلسطين داخل سجن برونزفيلد، الذي يعد أكبر سجن مخصص للنساء البالغات والقاصرات في أوروبا. وقد تحول اسم السجن خلال الأشهر الأخيرة إلى رمز في أوساط الحركات التضامنية مع فلسطين، بعد احتضانه عددا من الناشطات اللواتي شاركن في فعاليات احتجاجية مناهضة للحرب الإسرائيلية على غزة.

وفي يوليو الماضي، رفض داوتي –أيضا- التوقيع على خطاب يطالب رئيس الوزراء الجديد آندي بيرنهام بفرض عقوبات على إسرائيل. وبلغ عدد الموقعين على الخطاب 80 عضوا ما بين نائب ولورد، متبنيا موقف يؤسس للعنف الإسرائيلي ويمنحه بيئة سياسية وقانونية للاستمرار.

مسيرة مثيرة للجدل

ولد داوتي في مدينة كارديف، عاصمة ويلز، عام 1980، وتلقى تعليمه في جامعتي أكسفورد وسانت أندروز، قبل أن يبدأ مسيرته المهنية في العمل لدى منظمة "أوكسفام" الدولية، وهي التجربة التي تبدو اليوم مفارقة لافتة عند مقارنتها بمواقفه السياسية اللاحقة تجاه القضية الفلسطينية.

ففي عام 2011، تولى داوتي رئاسة "أوكسفام ويلز"، وهي منظمة تنشط في مجال العدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان، وتشارك في حملات للضغط على الحكومة البريطانية لاتخاذ مواقف أكثر حزما تجاه إسرائيل ودعم الحقوق الفلسطينية. كما شاركت المنظمة في حملات تضامنية، من بينها حملة "خط أحمر ويلز"، ودعت إلى وقف دائم لإطلاق النار في قطاع غزة، وحماية البنية التحتية والعاملين في المجال الإنساني، ما يعكس حجم التناقض في سياساته المعلنة، وتلك التي يخفيها خلف قناع!

مستوطنون يتجولون بأسلحتهم قرب مدينة الخليل بالضفة الغربية المحتلة
مستوطنون يتجولون بأسلحتهم قرب مدينة الخليل بالضفة الغربية المحتلة

لم تقتصر مسيرته على العمل الإنساني والسياسي؛ فقد عمل داوتي جنديا احتياطيا بدوام جزئي في الجيش البريطاني، كما كان عضوا فاعلا في جماعة "المسيحيون على اليسار"، التي تجمع بين النشاط السياسي والتقاليد اللاهوتية اليسارية؛ كما تولى رئاسة مجموعة نواب حزب العمال المعنية بقضايا المثليين والمتحولين جنسيا.

سياسي بألف وجه

شغل داوتي سابقا منصب وزير الدولة لشؤون أوروبا وأمريكا الشمالية والأقاليم ما وراء البحار في وزارة الخارجية والكومنولث والتنمية من 8 يوليو 2024 إلى 21 يوليو 2026. وانتخب لأول مرة كعضو في البرلمان عن حزب العمال والتعاونيات الويلزي عن دائرة كارديف الجنوبية وبينارث في نوفمبر 2012. وعمل في الجمعية البرلمانية لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا، ولدى أعضاء الجمعية الوطنية لويلز.

وترأس داوتي المجموعة البرلمانية المشتركة بين الأحزاب المعنية بفيروس نقص المناعة البشرية والإيدز، وكان عضوا في الجمعية البرلمانية البريطانية الأيرلندية. وفي عام 2020 تم تعيينه وزيرًا للخارجية والتنمية الدولية في حكومة الظل، وفي عام 2021 تم تعيينه وزيرًا لأوروبا وأمريكا الشمالية والأقاليم ما وراء البحار في حكومة الظل، قبل أن يصل إلى موقعه الحالي مسؤولا عن ملف الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في الحكومة البريطانية، وكأنه رجل بألف وجه.

الجريدة الرسمية