المنظرة والفشخرة
كلمتان مصريتان تعكسان في الضمير الاجتماعي استهجانا لسلوكيات بعض الأفراد استهجانا ساخرا يريد إلى إعادة ضبط بوصلة الذوق والكياسة والمراعاة والمواءمة.. في فترة التحولات الكبرى الجارية المستمرة هذه، يقع ما نراه حاليا من نماذج صارخة فجة موجعة..
سواء في حوادث القسوة البالغة كالشاب الذي يبصق علي وجه أمه، الله يلعنه، ويطردها من بيتها ويهينها بلا شفقة، بلا خلجة خوف من ربنا، كالبنت التى تقوم بتقطيع أمها اجزاء، كالمدير التربوي الذي يغتصب تلاميذ..
كلها نماذج كاشفة عن كارثة تمضي مرتبطة كما أشرنا إلي ما يمر به المجتمع المصرى من انقلاب في القيم والمعايير.. والحق أن جيلنا التعس هذا عاش كل عصور التحولات، وما من رئيس جاء وحكم الإ وتحدث عن التحولات، فمن التحول الاشتراكي إلي التحول الانفتاحي إلي التحول الاخواني الصامت، التمكين لهم في المدارس والنقابات والمتاجر والجامعات، إلي التحول نحو العمالة وتبديل الولاءات، ثم التحول نحو اليقظة واسترداد الهوية..
ثم التحول حاليا نحو مجتمع النصف في المائة الذي عابه وحاربه بالاشتراكية الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، فكأنما سبعون عاما عادت تطل أوائلها برؤوسها مرة أخرى، والحق أننا لا نعرف إلي متي ستستمر حالة التحول الفوسفوري التي يعيشها هذا المجتمع في طبقته الرزلة..
طبقة تتشح بالملايين وطبقة تتشح بالدين، طبقة المليارات، بتعبير أدق، تتباهي بالأملاك العقارية الفاخرة وبالإنفاق السفيه، والتعالي، والإقامة الباذخة في مستعمرات اجتماعية مقصورات عليهم، تحت اسم الكمباوندز.. طبقة التدين الشكلي تفرز أيضا مظاهر للتنطع..
وما حالة الجدال التى استعرت علي الصفحات الالكترونية بشأن السيدة التى أدت الصلاة في مطعم الإ دليلا علي مظهر آخر من مظاهر التباهي واستعراض التدين.. موقف تاجرت به السيدة وابتزت بالتسويق والتشهير إدارة المطعم فخضعت الإدارة وفصلت المدير الذي كان وجه السيدة بأدب وذوق إلي وجود مصلي قريب خارج المطعم، لكنها صممت وأدت الصلاة وخرجت تفضحه بأنه أراد منعها من أداء فرض الله..
ماذا كان الهدف من قيام سيدة بأداء فريضة الصلاة وسط جمهور مطعم، تقوم وتجلس وتركع وتسجد، وحيدة وسط الناس، ما هذا التنطع؟ ولماذا هذا الوجه من وجوه الاستفزاز؟ لماذا الاصرار ثم الإضرار؟
التنطع في أداء الفروض الدينية والأخلاقية يعيد الي الأذهان ما عالجه الكاتب الكبير الراحل وحيد حامد في فيلمه الخالد الارهاب والكباب، اخراج شريف عرفه، فبسبب من تنطع الموظف واختبائه بعباءة الدين علي سجادة الصلاة، يصلي ويصلي ويصلي، ومصالح الناس معطلة، جرى الارتباك والسيطرة علي المجمع من مهندس بسيط طيب وجد نفسه زعيما فجأة موسوما بأنه ارهابي!
التنطع الاجتماعي، في الانفاق والبذخ العاهر، والتدين المعيب المظهري، كلاهما سوس ينخر في عظام المجتمع.. ما العلاج ؟ ذلك هو السؤال الجوهري.. كيف تعالج مجتمعا مريضا بالفشخرة والمنظرة والتباهي السفيه؟ نحتاج إلي أساتذة علم الاجتماع والنفس.. وعلماء دين علماء! ورقابة علي الأموال التى تدخل البلاد لتغتسل في أحواضنا..
