التصعيد الأمريكي الإيراني يهدد أسواق الطاقة العالمية.. أوروبا تراهن على شتاء أقل قسوة.. واشنطن تواجه شبح كارثة اقتصادية.. وطهران تواصل استخدام الممرات البحرية كورقة ضغط
نادرا ما تنتهي الحروب عند الأهداف التي بدأت من أجلها، وغالبا ما تفرض تطورات الميدان أولويات جديدة تتجاوز الحسابات الأولى، وفي الحرب الأمريكية الإيرانية، تراجع الحديث عن أهداف مثل تغيير النظام في طهران، ليحل محله صراع أكثر تأثيرا على الاقتصاد العالمي، يتمثل في السيطرة على الممرات البحرية الإستراتيجية التي تعبر من خلالها إمدادات الطاقة.
ومع اقتراب الحرب من دخول شهرها السادس، باتت الأنظار تتجه إلى مضيقي هرمز وباب المندب، باعتبارهما نقطتي ارتكاز في معادلة أمن الطاقة العالمي، وسط مخاوف متزايدة من أن يؤدي استمرار التصعيد إلى اضطرابات واسعة في أسواق النفط والغاز، وارتفاع تكاليف النقل والشحن، بما ينعكس على الاقتصاد الدولي بأكمله.
سباق السيطرة على الممرات البحرية
من جهتها، تسعى الولايات المتحدة، بالتعاون مع شركائها في الشرق الأوسط، إلى إعادة رسم خريطة أمن الطاقة في المنطقة، في مواجهة النفوذ الإيراني الذي يستند إلى موقعه الجغرافي وقدرته على التأثير في الملاحة عبر مضيق هرمز، الذي تمر من خلاله نسبة كبيرة من صادرات النفط العالمية.
ولا يقتصر هذا النفوذ على هرمز، إذ تمتد تداعياته إلى البحر الأحمر، حيث شكلت هجمات جماعة الحوثي على السفن التجارية تحديا إضافيا لحركة التجارة الدولية. وتشير تقارير إعلامية إلى أن الحوثيين، المدعومين من إيران، استخدموا –في السابق- الصواريخ والطائرات المسّرة لفرض ضغوط على الملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب؛ فيما شكلت الولايات المتحدة –وقتها- تحالفا لشن غارات جوية بهدف إضعاف قدرات الحوثيين، لكنها فشلت في منع جميع الهجمات أو استعادة ثقة شركات الشحن لاستئناف الملاحة، التي فضلت تحويل مساراتها بعيدا عن المنطقة.
هرمز.. التحدي الأكبر
يرى خبراء أن التحدي الذي تواجهه الولايات المتحدة اليوم يتجاوز ما حدث في باب المندب، نظرا إلى الأهمية الإستراتيجية لمضيق هرمز. ففي حين يمر عبر باب المندب نحو 10% من حركة التجارة البحرية العالمية، يمثل مضيق هرمز شريانا لنحو 20% من تجارة الطاقة في العالم.

وتكفي أي اضطرابات طويلة في هذا الممر لإحداث صدمة كبيرة في أسواق الطاقة العالمية، وهو ما سبق أن حذر منه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ذاته، واصفا إغلاق المضيق أو تعطيله بأنه قد يقود إلى "كارثة اقتصادية" تمتد آثارها إلى مختلف الأسواق الدولية.
أربعة سيناريوهات لمستقبل سوق الطاقة
في ظل الضبابية التي تكتنف مسار الصراع، طرحت تقارير دولية عدة تصورات لمستقبل سوق الطاقة، من بينها أربعة سيناريوهات رئيسية، بحسب شبكة "سي إن إن" الإخبارية الأمريكية.
يفترض السيناريو الأول احتواء التصعيد العسكري بصورة سريعة، بما يسمح باستعادة حركة الملاحة الطبيعية عبر مضيق هرمز، لترتفع التدفقات إلى نحو 16 مليون برميل يوميا، مع تراجع الاعتماد على الطرق البديلة إلى نحو 3 ملايين برميل يوميا، نتيجة عودة المنتجين إلى المسارات الأقصر والأقل تكلفة.
أما السيناريو الثاني، فيقوم على التوصل إلى اتفاق محدود يخفف حدة المواجهة دون إنهائها بالكامل. ووفق هذا الاحتمال، قد ترتفع الكميات المارة عبر هرمز تدريجيا من نحو 10 ملايين برميل يوميا إلى قرابة 14 مليونًا بحلول أكتوبر 2026، مع استمرار الاعتماد على المسارات البديلة لنقل نحو 7 ملايين برميل يوميا.

وفي السيناريو الثالث، تتراجع العمليات العسكرية دون التوصل إلى تسوية سياسية حقيقية، وهو ما يدفع الأسواق إلى التكيف تدريجيا مع الواقع الجديد. ووفق هذا التصور، سترتفع التدفقات عبر هرمز من نحو 2.5 مليون برميل يوميا في أغسطس إلى نحو 8 ملايين برميل يوميًا بحلول نوفمبر 2026، مع استمرار استخدام الطرق البديلة بصورة واسعة.
أما السيناريو الرابع، وهو الأكثر خطرا بحسب "سي إن إن"، فيفترض اتساع رقعة المواجهة واستمرار التصعيد العسكري، ما يبقي حركة الملاحة عبر مضيق هرمز عند مستويات متدنية لا تتجاوز مليوني برميل يوميا، مع ارتفاع محدود إلى نحو 3.5 مليون برميل بحلول نوفمبر 2026. وفي الوقت نفسه، سوف تتراجع قدرة المسارات البديلة على تعويض النقص نتيجة تدهور الأوضاع الأمنية، وهو ما قد يؤدي إلى نقص ملموس في الإمدادات العالمية.
أوروبا أمام اختبار شتاء صعب
تعد أوروبا من أكثر المناطق عرضة لتداعيات أي اضطراب طويل في أسواق الطاقة، خصوصا إذا استمرت الأزمة حتى موسم الشتاء، عندما يرتفع الطلب على الغاز الطبيعي بشكل كبير.

ويرى محللون أن استمرار التوتر في الخليج سيدفع الأسواق إلى تسعير مخاطر انقطاع الإمدادات، ما يزيد احتمالات تعرض القارة العجوز لأزمة شبيهة بتلك التي شهدتها خلال شتاء هذا العام، عندما أدت موجات البرد إلى ضغوط كبيرة على أسواق الغاز.
وتزداد هذه التحديات تعقيدا مع التزام الاتحاد الأوروبي بإنهاء واردات الغاز الطبيعي المسال الروسي بحلول يناير 2027، وهو ما يقلص أحد أهم مصادر الإمدادات التي اعتمدت عليها دول القارة خلال السنوات الماضية. وتشير بيانات تتبع السفن إلى أن الغاز الروسي مثل نحو 17% من واردات أوروبا خلال النصف الأول من العام الجاري.
تأمين احتياجات الشتاء من الطاقة
وفي ظل هذه المعطيات، تبقى قدرة الحكومات الأوروبية على تأمين احتياجات الشتاء رهنا بتطورات الصراع في الشرق الأوسط، خاصة مع بدء بعض الدول، مثل إيطاليا وهولندا، تقديم إجراءات دعم لضمان توافر الإمدادات، الأمر الذي قد يرفع مستوى المنافسة داخل السوق الأوروبية.
وتستحضر هذه التطورات أزمة الطاقة التي أعقبت تقليص روسيا إمدادات الغاز عبر خطوط الأنابيب عام 2022، حين تمكنت أوروبا من تجاوز الشتاء بفضل اعتدال درجات الحرارة. إلا أن تكرار هذا السيناريو يبقى محفوفا بالمخاطر، إذ إن أي شتاء أكثر برودة، بالتزامن مع استمرار التوترات في الخليج، قد يدفع القارة إلى مواجهة أزمة طاقة جديدة، تتسم بارتفاع الأسعار، وتراجع المخزونات، وزيادة الضغوط على الاقتصادات الأوروبية.




