محافظ الجيزة وأزمة التقنين في الريف
لم تعد أزمة التقنين الخاصة بأراضي الدولة في قرى محافظة الجيزة أزمة أرقام أو جداول زمنية، بل هي أزمة فكر تنظيمي يتعامل مع الريف بعقلية الجباية لا التنمية، ويسعى لحبس الفلاحين داخل صندوق الإيجار السنوي بدلًا من منحهم الاستقرار بالتمليك الشامل.
وحسنًا فعل محافظ الجيزة الدكتور أحمد الأنصاري، فبعد مقالنا السابق المعنون بـ “خطاب للحكومة.. ارحموا سكان القرى من إيجارات التقنين”، عقد اجتماعًا تناول قواعد اللائحة التنفيذية للقانون رقم 168 لسنة 2025، ووجّه لجنة التسعير بمراعاة عدم المغالاة وتحقيق التوازن والعدالة.
ما قام به المحافظ كان يمس جرحًا نازفًا في ريف الجيزة. فالعدالة الإدارية في مصر تعاني فِصامًا جغرافيًا لا يمكن تبريره؛ كيف يستقيم في وعي الدولة أن يكون سعر متر إيجار أملاك الدولة في محافظة مجاورة كبني سويف 4 جنيهات فقط في السنة، والتمليك بـ 700 جنيه، بينما يستيقظ مواطن في ريف الجيزة ليجد بيتًا طينيًا، مبنيًا بطريقة بدائية بلا سقف يحميه من حر الصيف أو برد الشتاء وفي منطقة نائية، مطلوبًا منه إيجار جزافي يبلغ 60 ألف جنيه سنويًا؟! أي توازن هذا الذي يقرر أن يعامل بيت بلا سقف معاملة متوسط إيجارات الشقق في المدن؟
إنها النظرة المكتبية الضيقة التي لا ترى سوى تحصيل الأموال، وتتناسى أن أغلب هؤلاء السكان هم من العمالة المؤقتة والبسطاء الذين يطاردون قوت يومهم بشق الأنفس.
في مقالنا السابق، قرعنا جرس الخطر حول ما يحدث في قرية أبو غالب التابعة لمركز منشأة القناطر. واليوم، نضع أمام المحافظ حقائق دامغة لدينا مستنداتها تكشف كيف تلتوي الحقائق القانونية لتتحول أراضي المواطنين إلى ساحة للابتزاز الإداري.
المأساة هنا تتجاوز حدود القيمة المالية الجائرة إلى عمق الخديعة التنظيمية؛ حيث يشتكي الأهالي من مفارقة صارخة: الدولة تبيع أراضٍ أميرية مجاورة بنظام التمليك المباشر، بينما تلتف حول أراضي الحوض رقم 7 (حوض الرمال) لتنقل تبعيتها فجأة وبقرار متعسف إلى الهيئة العامة للإصلاح الزراعي! هذا النقل ليس بريئًا، بل جرى خصيصًا لإسقاط خيار الشراء القطعي والتمليك عن الأهالي، وإجبارهم على الدخول في نفق عقود الإيجار السنوية المتغيرة والمغالى فيها.
الأهالي لم يقفوا عزلًا أمام هذا التغول الإداري؛ بل تقدموا بتظلمات رسمية مدعومة بشهادة رسمية من الشهر العقاري، تؤكد بوضوح قاطع أن هذا الحوض يتبع الأملاك الأميرية ولا خضوع فيه لهيئة الإصلاح الزراعي.
أكثر من ذلك، يمتلك السكان إيصالات سداد رسمية عمرها يناهز الثلاثين عامًا (صادرة عامي 1996 و1997 عن مصلحة أملاك الجيزة ووحدة تمليك منشأة القناطر)، تثبت أنهم يسددون ريع الأرض بانتظام بوصفها أملاك دولة خاصة/ وضع يد. فكيف تحولت الأرض بين ليلة وضحاها، وبقدرة قادر، إلى إصلاح زراعي يحرم المواطن من حق تملك أرضه أو جدران بيته؟
يا سيادة المحافظ، إن جهودكم في ضبط أملاك الدولة مقدرة، لكن الأمور تقتضي التعامل مع أهل الريف باعتبارهم أصحاب الأرض. أهل الريف المصري لا يتهربون من حق الدولة، ولديهم من حسن النية ما أثبتته إيصالات سدادهم طوال العقود الماضية. إنهم يطالبون بالخروج من سجن الإيجار إلى أمان التمليك.
نضع بين يديكم هذه الاستغاثة المشروعة لأهالي أبو غالب، ونطالبكم بالتدخل الفوري لإيقاف مطالبات الإيجار الجزافية والمبالغ فيها فورًا لحين الفصل القانوني واليقيني في جهة الولاية وإعادة تشكيل لجنة معاينة وتثمين مختصة تنزل إلى أرض الواقع، وتفرق بين الفلل والقصور وبين البيوت البدائية التي تخلو من الأسقف، وتمكين الأهالي من الشراء القطعي والتمليك للأراضي الزراعية والمنازل أسوة بغيرهم، تفعيلًا لروح القانون رقم 144 لسنة 2017 والقانون الجديد لعام 2025.
إن استقرار الريف هو استقرار للأمن القومي المصري، وصناعة الطمأنينة في قلوب الفلاحين خلف جدران منازلهم أجدى بكثير من تحصيل ملايين تؤخذ قسرًا وتشحن الأجواء غضبًا. ارحموا سكان القرى من مقصلة الإيجارات، وأعيدوا الحقوق إلى أصحابها.
