حين أحببت الذكاء الاصطناعي!
لم تعد العلاقة بين الإنسان وبين الذكاء الاصطناعي، قاصرة على طرح الأسئلة والحصول على الإجابات، بل تجاوزت ذلك إلى مساحة أكثر حساسية، ألا وهى المشاعر العاطفية الإنسانية بين الرجل والمرأة، وربما كان هذا أخطر ما أفرزته الثورة التقنية الحالية.
وما دفعني للتفكير في هذا الأمر، تجربة رواها لي أحد الأصدقاء، بعد استخدامه خاصية المحادثة الصوتية في أحد تطبيقات الذكاء الاصطناعي، إذ اختار صوتا نسائيا هادئا ناعما، ثم انخرطا في حوار ساخن امتد فترة طويلة، وكان أسلوب الحديث مليئا بالدفء، حتى بدا وكأنه يدور حقيقيا بين شخصين تجمعهما علاقة عاطفية حامية الوطيس، لا بين إنسان ومجرد برنامج حاسب آلي.
قد يراها البعض مجرد تجربة ليس أكثر، لكنني أراها جرس إنذار يستحق أن نتوقف أمامه، وأن يناقشه علماء النفس والاجتماع، لأننا أمام واقع جديد مخيف، فالذكاء الاصطناعي أصبح قادرا على اختيار الكلمات بعناية، ومحاكاة العاطفة، وإظهار الاهتمام، وتذكر تفاصيل الحديث، والرد بصوت طبيعي تماما بكل تفاعلاته..
ومع استمرار هذا التطور، قد يجد بعض الأشخاص، خاصة من يعانون الوحدة أو العزلة، في هذه المحادثات ملاذا نفسيا يمنحهم شعورا بالاهتمام والاحتواء بل والنشوة الزائفة.
ليست المشكلة في أدوات الذكاء الاصطناعي نفسه، فهو لا يشعر بالحب، ولا يعرف الحنين، ولا يملك وعيا أو عاطفة، هو فقط يحاكي أنماط الكلام البشري بدرجة عالية من الإتقان، لكن الإنسان بطبيعته قد يتفاعل مع تلك المحاكاة وكأنها حقيقة، وهنا يبدأ الخطر.
اعتدنا أن نحذر من إدمان مواقع التواصل الاجتماعي أو الألعاب الإلكترونية، وربما آن الأوان لنتحدث أيضا عن مخاطر الاندماج المفرط مع تطبيقات الذكاء الاصطناعي، خاصة تلك التي تعتمد على المحادثات الصوتية الواقعية، والتي قد تمنح المستخدم إحساسا بعلاقة إنسانية لا وجود لها على أرض الواقع.
ولا يعني ذلك بث الرعب من التكنولوجيا أو الدعوة إلى مقاطعتها، لأن الذكاء الاصطناعي أصبح أداة مهمة في أغلب المجالات، لكن الخطورة تبدأ عندما يتحول من أداة تساعد الإنسان إلى بديل عن الإنسان نفسه.
ويبقى السؤال، هل نملك الوعي الكافي حتى لا نخلط بين الذكاء الاصطناعي الذي يحاكي المشاعر، والإنسان الذي يعيشها حقيقيا؟
الإجابة عن هذا السؤال قد تحدد شكل علاقتنا بالتكنولوجيا في المستقبل، وتحدد أيضا ما إذا كنا سنظل نستخدم الذكاء الاصطناعي، أم سنسمح له، دون أن نشعر، أن يعيد تشكيل احتياجاتنا العاطفية وعلاقاتنا الإنسانية.
