رئيس التحرير
عصام كامل

تضامنًا مع ضحايا الحروق

18 حجم الخط

منذ أكثر من 18 عاما كتبت زوجتى تحقيقًا صحفيًا عن مآسي الفتيات اللاتى تعرضن لجريمة التشويه بماء النار، ولازلت أذكر واحدة منهن.. تلك الفتاة الجميلة التى تحولت حياتها إلى جحيم، جراء إلقاء خطيبها السابق ماء النار على وجهها، ما أدى إلى ذوبان الوجه وتساقط الملامح فضلا عن كف البصر والتحام صوان الأذن، وتعرض باقى الجسم إلى الضرر البالغ، ولولا عناية الله للقيت الفتاة مصرعها، وهي في حقيقة الأمر فقدت حياتها ومستقبلها بالفعل رغم أنها تتنفس.

 

مؤخرا قالت السيدة هبة السويدي، مؤسس ورئيس مجلس أمناء مؤسسة ومستشفى أهل مصر، إن عملية زراعة الجلد الطبيعي تجرى عالميًا يوميًا لأي حالة حروق تزيد عن 30% حيث تصل نسبة النجاة إلى نحو 90%، بينما كانت أعلى نسبة نجاة في مصر تصل إلى 20%.. 

منوهة إلى شاب من نزلاء المؤسسة، أصيب بحروق بنسبة 75% وظلت المؤسسة تعمل لمدة عامين لإنقاذه، ثم جاءت فكرة استيراد الجلد الطبيعي من الخارج وتم إنقاذه بالفعل.

 

وما بين ضحايا حروق الكهرباء وخاصة الأطفال أو ضحايا حوادث اشتعال النيران، أو الاعتداء بماء النار، مد العلم يده ببصيص الأمل وهو زراعة أنسجة الجلد البشرى من متبرع متوفى، إلا أن مسألة استيراد تلك الانسجة مكلفة للغاية، إذ قد تصل للحالة الواحدة إلى مليون جنيه بحسب تقديرات طبية.

 

ومن هنا طرحت النائبة البرلمانية أميرة صابر قنديل، مقترح انشاء بنك وطني للانسجة البشرية يقوم على التبرع بأنسجة الجلد بعد الوفاة، وهو ما يعطي الأمل، وفى نفس الوقت لا يمس حرمة جسد المتوفى ولا يعنى سلخه كما يتندر البعض ويتهكم.

 

فالمقصود من عملية التبرع بالأنسجة بحسب الرأي الطبي والعلمي هو أخذ أجزاء محدودة للغاية من الأنسجة، تكون غالبا من الجلد السطحي بطريقة طبية احترافية، وليس نزع جلد المتوفى بالكامل.

 

ومن المعروف أن الجلد المفقود في الحروق الشديدة يؤدي إلى فقدان السوائل والعدوى المميتة، ولذا يكون الحل الوحيد، هو التغطية السريعة بنسيج جلد بشري، سواء عن طريق التبرع بالجلد بعد الوفاة، أو باستخدام خلايا جلدية تنمّى في المعامل من عينات صغيرة.

 

وبعد قيام الأطباء بهذا الإجراء يمكن غسل المتوفى وتكفينه ودفنه بشكل طبيعي تماما دون أي تشويه، فالسلخ يعني نزع الجلد بالكامل وترك الجسد مشوها، أما ما يؤخذ هنا هو شرائح تستخدم كغطاء مؤقت لمرضى الحروق.

 

واستنادا إلى دار الإفتاء فقد أقرت أن التبرعَ بعضو أو بجزء من إنسان حي لإنسان آخر مثله جائز بشرط أن يصرح بذلك طبيب ثقة يقرر أن هذا التبرع لا يترتب عليه ضرر بالمتبرع، ويترتب عليه حياة الشخص المتبرع له أو إنقاذه من مرض صعب..

كما يجوز كذلك نقل عضو من أعضاء الميت إلى جسم إنسان حي إذا كان هذا النقل يؤدي إلى منفعة الإنسان المنقول إليه، وهذا العضو منفعة ضرورية لا يوجد بديل لها، وأن  يحكم بذلك الطبيب المتخصص الثقة.

 

إن هذا المقترح يقدم بصيصا من النور إلى من يعانون آلامًا رهيبة وتشوهات بشعة، من إمكانية العودة إلى ركب الحياة مرة أخرى، فهلا نحينا الاستخفاف والتندر قليلا، وبدلا من ذلك نعمل العقل، ونأخذ بالعلم، مستندين إلى الشريعة الغراء التى أقرت مبدأ هامًا ألا وهو "أن الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف"، والضرر الأشد هنا يتمثل في بقاء الإنسان الحي عرضة للمرض الشديد وللهلاك المتوقع، أما الضرر الأخف هنا فيتمثل في أخذ شيء من أجزاء الميت لعلاج الإنسان الحي.

الجريدة الرسمية