رئيس التحرير
عصام كامل

عاوزين ورد يا إبراهيم

18 حجم الخط

"عاوزة ورد يا إبراهيم"، جملة خالدة قالتها بطلة فيلم مصري لزوجها، بعدما ضاقت بحياة فقدت الدفء والاهتمام والجمال، لم تكن تطلب باقة ورد، بل كانت تطلب أن يبقى في الحياة شيء جميل. أما نحن، فلم نعد نطلب الورد.. بل أصبح أقصى أحلامنا أن نجد شجرة لم تصل إليها المناشير!

 

لا أعرف من هو إبراهيم، ولا أعرف من هو المسؤول الذي قرر إعلان الحرب على الأشجار في مصر، هل هو مسؤول محلي؟ أم محافظ؟ أم جهة تنفيذية؟ أم لجنة لا يعرف أحد أسماء أعضائها؟ لكن المؤكد أن هناك "إبراهيم" ما، يجلس خلف مكتب مكيف، يوقع قرارًا، فتسقط عشرات الأشجار، ويعود إلى منزله مقتنعًا أنه أنجز مهمة وطنية.

 

أصبح مشهد اقتلاع الأشجار مألوفًا إلى درجة أننا لم نعد نفزع. والأغرب أن بعض المحافظات لم تكتفِ بالقطع، بل أعلنت بيع الأشجار بعد ذبحها، وكأننا أمام مزاد على رئات المدن، لا على أخشاب يابسة.

 

والسؤال الذي لا يريد أحد الإجابة عنه: ماذا فعلت لكم الأشجار؟ هل عطلت المرور؟ هل خالفت قانون البناء؟ أم أن جريمتها الوحيدة أنها تمنح الناس ظلًا مجانيًا وهواءً نقيًا لا يمكن تحصيل رسوم عليه؟

 

في القاهرة، لم يعد المواطن البسيط يجد حديقة عامة محترمة يهرب إليها من جحيم الصيف. وحتى الأرصفة، التي كانت تتزين بالأشجار والمسطحات الخضراء، تحولت إلى أكشاك ومقاهٍ تمتد تحت الكباري، وأمام العمارات، وبجوار الكمبوندات، حتى أصبح الرصيف مشروعًا استثماريًا، لا مكانًا للمشاة.

 

أما الأطفال.. فلا أحد يسأل عنهم. جيل كامل ينشأ وهو لا يعرف شكل الحديقة، ولا صوت العصافير، ولا رائحة الأرض بعد المطر. يعرف المولات أكثر مما يعرف الأشجار، ويحفظ أسماء ألعاب الهاتف أكثر مما يحفظ أسماء الزهور. ثم نتعجب بعد ذلك من قسوة المشاعر، وضيق الصدر، وانفصال الإنسان عن الطبيعة.

 

سمعنا كثيرًا عن مبادرات لزراعة ملايين الأشجار، وعن مدن خضراء، وعن التنمية المستدامة من أكبر قيادات في الدولة ومن وزيرة بيئة لم تنفذ أي مبادرة لغرس شجرة واحدة.. وبالطبع كان كلام الليل مدهون بالزبدة.. تلاشي مع حرارة شمس النهار.

 

خلاص.. مللنا.. ولم يعد المواطن المصري يريد مؤتمرات، ولا لافتات، ولا صورًا تذكارية. المصري يريد أن يرى شجرة تُزرع بدلًا من عشر شجرات تُقطع، وحديقة تُفتح بدلًا من مقهى جديد، ورصيفًا يمشي عليه دون أن يصطدم بكرسي أو كشك أو إعلان.

 

الجمال ليس رفاهية.. بل ضرورة. والشجرة ليست ديكورًا.. بل حياة. والمدينة التي تقتل أشجارها، تقتل معها شيئًا من روح سكانها.. لذلك، لا أملك إلا أن أردد ما قالته بطلة الفيلم، ولكن باسم كل مواطن مصري.. 

عاوزين ورد يا ابراهيم.. عاوزين شجرًا لا مناشير.. وظلًا لا خرسانة.. وحدائق لا أكشاك.. وهواءً لا بيانات.. لأن الأوطان لا تصبح أجمل بارتفاع الأبراج، وإنما باتساع المساحات الخضراء التي تحتضن الإنسان قبل الحجر.

الجريدة الرسمية
عاجل