رئيس التحرير
عصام كامل

لقد كبر المجرمون.. وبقي قانون الأحداث طفلًا

18 حجم الخط

كلما وقعت جريمة بشعة وظهر أن مرتكبها لم يبلغ الثامنة عشرة، تتكرر الجملة نفسها: "ده لسه طفل". وكأن كلمة طفل أصبحت كافية لمحو الجريمة، أو لتخفيف بشاعتها، أو لإقناع المجتمع بأن ما حدث مجرد نزوة مراهقة ستزول مع الوقت.
 

هذا الافتراض يغفل أن المجتمع تغير، وأن الأطفال تغيروا، وأن الجرائم نفسها تغيرت، بينما لا تزال بعض التشريعات تتعامل مع واقع لم يعد موجودًا. فقانون الأحداث الذي وضع قبل عقود طويلة تأسس على افتراض أن الحدث محدود الخبرة والإدراك، وأن قدرته على التخطيط والفهم واتخاذ القرار لا تزال ناقصة، ولذلك استحق معاملة قانونية مختلفة عن البالغين.


لكن الحقيقة أن الحدث الذي يمتلك هاتفًا ذكيًا، ويتعامل مع عشرات التطبيقات، ويصل إلى ملايين المقاطع والمعلومات والأفكار بضغطة زر، ويستطيع التخطيط والتواصل وإخفاء الأدلة والتنسيق مع غيره، ليس هو نفسه الحدث الذي عاش قبل خمسين عامًا في عالم مغلق محدود المعرفة والتأثير..


ومع هكذا واقع لا يمكن  تجاهل حقيقة أن كثيرًا من الجرائم التي نشهدها اليوم لم تعد تشبه أخطاء الصغار، التي وُضع قانون الأحداث من أجل التعامل معها. فنحن لم نعد نتحدث عن مشاجرة بين طلاب مدرسة، أو سرقة بسيطة بدافع الطيش، أو تصرف متهور ناتج عن نقص الخبرة. 

 

نحن نتحدث عن قتل عمد، واغتصاب، واعتداءات جنسية، وتخطيط لجرائم مكتملة الأركان، ودهس أبرياء بسيارات يقودها مراهقون لم يبلغوا السن القانونية. وفي كل مرة تتكرر المأساة نفسها، ويتكرر معها السؤال نفسه: إلى متى سيظل القانون يتعامل مع بعض مرتكبي هذه الجرائم باعتبارهم مجرد أطفال؟


خلال السنوات الأخيرة شهد المجتمع المصري وقائع صادمة كان أبطالها أحداثًا لم يبلغوا الثامنة عشرة. قضايا قتل مروعة، واعتداءات جنسية هزت الرأي العام، وجرائم ارتكبها أصحابها بوعي كامل وإصرار وترصد وتخطيط.


ولعل من أكثر القضايا التي أثارت الجدل قضية الفتاة التي شاركت في قتل والدتها بمساعدة عشيقها الأصغر منها سنًا. يومها نُفذ حكم الإعدام في المتهمة الرئيسية، بينما استفاد شريكها من كونه حدثًا، رغم أن الاتهامات المنسوبة إليه تضمنت المشاركة في التخطيط والتنفيذ.

لم يكن غضب الناس وقتها بسبب تفاصيل الجريمة فقط، بل بسبب شعور واسع بأن هناك فجوة بين حجم الجريمة والعقوبة التي انتهى إليها أحد أطرافها.


ولم تكن تلك الواقعة الوحيدة. فقد تابع المصريون قضايا اغتصاب وقتل أطفال هزت الضمير العام، وقضايا اعتداءات جنسية ارتكبها متهمون لم يبلغوا السن القانونية، فضلًا عن سلسلة متزايدة من حوادث السيارات التي يقودها أبناء الأسر المقتدرة دون رخصة أو خبرة أو مسؤولية، فينتهي الأمر بقتلى ومصابين وأسر تدفع ثمن استهتار لم ترتكبه.

 

المشكلة أن بعض المراهقين بدأوا يدركون أن هناك سقفًا معينًا للعقوبة طالما أنهم لم يبلغوا سن الرشد. وهنا تتحول فلسفة الحماية التي وُجد من أجلها قانون الأحداث إلى نتيجة عكسية خطيرة. فبدل أن تكون فرصة للإصلاح، تصبح في نظر البعض مظلة تحميهم من تحمل المسؤولية الكاملة عن أفعالهم.


لهذا أصبح من الضروري فتح نقاش مجتمعي وقانوني جاد حول سن الحدث في الجرائم الجسيمة، خاصة جرائم القتل العمد والاغتصاب والاعتداءات الجنسية والجرائم التي تؤدي إلى إزهاق الأرواح.
ولا يعني ذلك التخلي عن فكرة الإصلاح أو الدعوة إلى الانتقام، بل يعني الاعتراف بأن الواقع تغير، وأن القانون يجب أن يواكب هذا التغير.


كما أن العقوبة نفسها تحتاج إلى إعادة نظر. فالإيداع في إحدى دور الرعاية لا يمكن أن يكون الحل الوحيد لكل الحالات. المطلوب هو عقوبات إصلاحية حقيقية يشعر معها الجاني بثمن ما ارتكبه، ويستعيد من خلالها احترامه للعمل والقانون والمجتمع.


لماذا لا تصبح الخدمة المجتمعية الشاقة جزءًا من العقوبة؟ لماذا لا يُلزم من اعتدى على المجتمع بخدمة المجتمع؟ لماذا لا يقضي الحدث المدان جزءًا من عقوبته في تنظيف الشوارع وصيانة المرافق العامة والمشاركة في أعمال تخدم المواطنين؟

ولماذا لا تنشئ الدولة مؤسسات متخصصة لتأهيل الأحداث وتعليمهم المهن اليدوية الشاقة؛ كالسباكة والكهرباء والنجارة والميكانيكا وأعمال الصيانة المختلفة، بحيث يتحول وقت العقوبة إلى فرصة لإعادة بناء الشخصية والانضباط وتحمل المسؤولية؟


إن المجتمع لا يحمي أبناءه بالتساهل مع الجريمة، كما لا يحميهم بالانتقام الأعمى. لكنه يحميهم حين يحقق المعادلة الصعبة بين العدالة والردع والإصلاح. فالرحمة بالجانح لا يجب أن تتحول إلى ظلم للضحية، وحماية الحدث لا تعني حماية الجريمة، والتعامل مع الواقع كما كان قبل عشرات السنين لن يحل مشكلات الحاضر.


لقد تغيرت الجرائم، وتغير مرتكبوها، وأصبح بعض من هم دون الثامنة عشرة قادرين على ارتكاب أفعال تفوق في بشاعتها ما يرتكبه كثير من البالغين.

وحين يصل المجتمع إلى هذه المرحلة، فإن مراجعة قانون الأحداث لم تعد رفاهية تشريعية أو مطلبًا للنقاش، بل ضرورة لحماية المجتمع وحق الضحايا وضمان ألا يتحول صغر السن إلى طريق مختصر للإفلات من العقاب.


وإذا كان المشرع مطالبًا بمواكبة التطورات الاقتصادية والتكنولوجية والاجتماعية، فإن ملف الأحداث يجب أن يكون على رأس أولوياته خلال المرحلة المقبلة. والأهم من ذلك أن يكون التشريع المصري نابعًا من احتياجات المجتمع المصري وظروفه وواقعه، لا أسيرًا لتصورات ونماذج وضعت لمجتمعات تختلف عنا في الثقافة والظروف والبنية الاجتماعية.


فالكثير من الاتفاقيات الدولية الخاصة بحماية الطفل انطلقت من أهداف إنسانية نبيلة لا خلاف عليها، لكن المشكلة تظهر عندما تتحول بعض بنودها إلى قيود تمنع الدول من تطوير تشريعاتها بما يتناسب مع أوضاعها الخاصة.


ومن حق أي دولة أن تحمي أطفالها، لكن من حقها أيضًا أن تحمي مجتمعها. ومن حقها أن تراجع القوانين عندما تثبت التجربة العملية أن الواقع تجاوزها. والسؤال الذي يجب أن يُطرح هنا: ماذا حققت هذه الاتفاقيات على الأرض بالنسبة لآلاف الأطفال الذين يعيشون بلا مأوى في الشوارع؟ 

هل نجحت في إنهاء ظاهرة أطفال الشوارع؟ هل منعت استغلال الأطفال في الجرائم المنظمة؟
هل أوقفت شبكات التسول التي تتاجر بالصغار؟ هل منعت الاعتداءات الجنسية التي يتعرض لها الأطفال؟ هل أوقفت بعض الآباء والأمهات الذين يلقون بأبنائهم في الشوارع ويتخلون عن مسؤولياتهم الإنسانية والأخلاقية؟
 

للأسف ما زالت هذه الظواهر قائمة، وبعضها يتزايد بصورة تدعو للقلق. لذلك فإن حماية الطفل لا يجب أن تتحول إلى شعار نظري منفصل عن الواقع، كما لا يجب أن تصبح ذريعة تمنع مراجعة القوانين عندما تفرض الظروف ذلك.


إن الطفل الذي يحتاج إلى الحماية والدعم والرعاية يجب أن يحصل عليها كاملة. أما من يرتكب جريمة قتل أو اغتصاب أو اعتداءً جنسيًا أو جريمة عمدية جسيمة وهو يدرك تمامًا ما يفعل، فلا يجوز أن يكون النقاش كله منصبًا على حقوقه وحده، بينما تختفي حقوق الضحايا وأسرهم من المشهد.


ولهذا فإن الوقت قد حان لفتح ملف تعديل سن الحدث في الجرائم الجسيمة، وإعادة النظر في فلسفة العقوبات المطبقة على الأحداث، مع استحداث منظومة عقابية وإصلاحية أكثر فاعلية، تشمل الخدمة المجتمعية الإلزامية والتأهيل المهني والانضباط السلوكي، إلى جانب العقوبات الرادعة التي تتناسب مع خطورة الجريمة.

فالقانون الذي لا يتطور مع تطور المجتمع يفقد قدرته على الحماية. والتشريع الذي يخشى مواجهة الواقع يتحول إلى جزء من المشكلة بدلًا من أن يكون جزءًا من الحل. أما حماية المجتمع، وحماية الضحايا، وحماية الأجيال القادمة من الانزلاق إلى مزيد من العنف والجريمة، فهي مسؤولية لا تحتمل التأجيل، ولا تقبل المجاملة، ولا يجوز أن تخضع لأي اعتبارات تتجاهل طبيعة الواقع الذي نعيشه كل يوم.

الجريدة الرسمية