رئيس التحرير
عصام كامل

مارين لوبان ذات الجذور المصرية.. من شعار "الأيادي النظيفة" إلى قفص الاتهام.. هاجمت الإسلام وشبهت الحجاب بالشعار النازي.. وفضيحة اختلاس الأموال العامة تهدد حلمها برئاسة فرنسا

زعيمة اليمين الفرنسي
زعيمة اليمين الفرنسي المتطرف مارين لوبان بالذكاء الاصطناعي
18 حجم الخط

مارين لوبان، لطالما قدمت زعيمة حزب التجمع الوطني الفرنسي اليميني المتطرف مارين لوبان، نفسها بوصفها حارسة الهوية الفرنسية، ورفعت راية الحرب على المهاجرين والمسلمين والأجانب، معتبرة أن الإسلام "خطر يهدد الثقافة الفرنسية"، وأن الحجاب لا يقل خطورة - في دلالته الأيديولوجية - عن النازية.

وعلى امتداد سنوات، بنى الحزب – الذي ورثت زعامته عن والدها الراحل جان ماري لوبان - شعبيته على خطاب يدعي الدفاع عن القانون والنزاهة، فيما اتهمه خصومه بتلويث الحياة السياسية الفرنسية بخطاب الكراهية والانقسام.

لكن المشهد السياسي الفرنسي شهد منعطفا حاسما، فبينما كانت لوبان تقترب من تحقيق حلم راودها لسنوات بالوصول إلى قصر الإليزيه، وجدت نفسها في مواجهة القضاء. ففي الأسبوع الماضي، أيدت محكمة استئناف فرنسية إدانتها بدور محوري في إدارة مخطط ممنهج لاختلاس الأموال العامة استمر أكثر من عقد، وقضت بإخضاعها للمراقبة الإلكترونية لمدة عام. 

من قفص الاتهام إلى سباق الإليزيه

لم ينظر إلى الحكم باعتباره مجرد إدانة جنائية، بل اعتبر ضربة سياسية قد تقوض طموحات لوبان الرئاسية وتضع مستقبلها السياسي على المحك، بعدما رأى كثيرون أنه قد يطوي صفحة حلمها بخلافة الرئيس إيمانويل ماكرون في انتخابات عام 2027. غير أن زعيمة اليمين المتطرف سارعت إلى الطعن على الحكم أمام أعلى محكمة في فرنسا، ما أدى إلى وقف تنفيذ المراقبة الإلكترونية مؤقتا إلى حين صدور القرار النهائي.

زعيمة اليمين الفرنسي المتطرف مارين لوبان
زعيمة اليمين الفرنسي المتطرف مارين لوبان، فيتو

ولم تنتظر لوبان، والتي سبق لها الترشح للانتخابات الرئاسية ثلاث مرات، طويلا للرد سياسيا؛ فبعد ساعات فقط من صدور الحكم، أعلنت إطلاق حملتها للانتخابات الرئاسية لعام 2027 تحت شعار "من أجل فرنسا"، متعهدة بجعل إحياء الصناعة الفرنسية، وإصلاح النظام الصحي، وتطوير المدارس، وتعزيز الأمن، واستعادة السيادة الوطنية، وتشديد الرقابة على الحدود، على رأس أولويات برنامجها الانتخابي، وفق مقابلة أجرتها مع جريدة "جورنال دو ديمانش" الفرنسية.

غياب الصدمة الشعبية

ترى الصحفية والناشطة الفرنسية روخايا ديالو، أن امتداد التحقيق لعشر سنوات ربما يفسر غياب الصدمة الشعبية الواسعة عقب صدور الحكم، إذ انصرف جزء كبير من النقاش العام إلى مستقبل مارين لوبان السياسي، بدلا من التوقف عند حجم المخالفات التي أدينت بها.

وفي جوهر القضية، تكشف التحقيقات عن شبكة منظمة من الوظائف الوهمية أنشأتها قيادة حزب الجبهة الوطنية عام 2004، قبل أن يتحول اسمه لاحقا إلى التجمع الوطني. 

واعتمدت هذه الآلية على تسجيل موظفين بوصفهم مساعدين لأعضاء في البرلمان الأوروبي، للحصول على رواتب ممولة من البرلمان، رغم أنهم لم يؤدوا أي مهام برلمانية فعلية.

مارين لوبان خلال خضوعها للمحاكمة في قضية اختلاس للأموال العامة
مارين لوبان خلال خضوعها للمحاكمة في قضية اختلاس للأموال العامة، فيتو

وبدلا من توظيف تلك الأموال في الأعمال التشريعية الأوروبية، جرى تحويلها إلى فرنسا لتمويل أنشطة الحزب السياسية. 

ومن بين المستفيدين من هذه الوظائف الوهمية الحارس الشخصي لـ"لوبان" ومساعدتها الشخصية المقربة، في مخطط فساد مالي استمر أحد عشر عاما قبل أن تكشفه التحقيقات.

ولم تقتصر الإدانة على لوبان وحدها، بل شملت أيضا حزب التجمع الوطني بصفته كيانا قانونيا، بعدما ثبت تورطه في تحويل أموال البرلمان الأوروبي إلى غير الأغراض المخصصة لها، لتقضي المحكمة بتغريمه مليوني يورو مع وقف تنفيذ نصف قيمة الغرامة.

جذور مصرية تعود إلى 1907

ولدت لوبان عام 1968 في العاصمة الفرنسية باريس، ودرست القانون الجنائي قبل أن تتخرج عام 1991، ثم عملت في المحاماة وتولت إدارة الشؤون القانونية داخل حزب الجبهة الوطنية. 

وفي عام 2011، خلفت والدها جان ماري لوبان في رئاسة الحزب، وأطلقت حملة لإعادة صياغة صورته السياسية، مستبعدة عددًا من القيادات المتهمة بمعاداة السامية وتمجيد النازية، مع الإبقاء على مرتكزاته الأساسية، وفي مقدمتها معارضة الهجرة والتشدد تجاه الإسلام. كما أعادت تسمية الحزب ليصبح "التجمع الوطني".

وعلى الرغم من خطابها السياسي المتشدد تجاه المهاجرين، كشفت لوبان خلال تجمع انتخابي عام 2017 عن جانب غير مألوف من جذورها العائلية، عندما قالت إن والدة جدتها كانت تدعى بولين، وكانت قبطية وُلدت في مصر، حيث عاشت معظم حياتها وأنجبت جدتها.

وفي السياق نفسه، نقل موقع "فرانس 24" عن خبير الأنساب الفرنسي جان لوي بوكارونو قوله: إن جدة لوبان تنحدر من عائلة مالطية استقرت خلال القرن التاسع عشر في تونس والجزائر، واختلطت عبر المصاهرة بعائلات إيطالية ويهودية وعربية.

مارين لوبان ووالدها جان ماري لوبان، الزعيم السابق ومؤسس حزب
مارين لوبان ووالدها جان ماري لوبان، الزعيم السابق ومؤسس حزب "الجبهة الوطنية" الفرنسي المتطرف، فيتو

وأضاف أن السجلات التاريخية تشير إلى أن إحدى نساء هذه العائلة هي بولين التي عاشت في الإسكندرية، وتزوجت عام 1907 من مسؤول عن أعمال الإنشاءات، لتبدأ من هناك إحدى حلقات الشجرة العائلية التي تنحدر منها مارين لوبان.

أيادٍ نظيفة ورؤوس مرفوعة

منذ عام 1988، لم تخل أي انتخابات رئاسية فرنسية من اسم أحد أفراد عائلة لوبان، الأب أو الابنة، في مشهد رسخ حضور العائلة في قلب الحياة السياسية الفرنسية. لكن لوبان، التي ورثت الزعامة السياسية عن والدها، وجدت نفسها اليوم في قلب قضية يرى مراقبون أنها تتناقض جذريا مع المبادئ التي طالما ادعى حزبها الدفاع عنها، لتضع حزب التجمع الوطني في مواجهة واحدة من أكبر أزمات المصداقية في تاريخه، وفق جريدة "ذا جارديان".

مظاهرة فرنسية ضد معاداة الإسلام
مظاهرة فرنسية ضد معاداة الإسلام، فيتو

ولسنوات طويلة، خاض الحزب حملاته الانتخابية تحت شعار "أيادٍ نظيفة ورؤوس مرفوعة"، مقدمًا نفسه باعتباره الحزب الذي يقف في مواجهة الفساد ويدافع عن النزاهة في الحياة العامة. وكانت لوبان من أكثر السياسيين تشددًا في هذا الملف؛ إذ أعلنت خلال إحدى المناظرات التلفزيونية أن "الجميع نهب المال العام باستثناء الجبهة الوطنية"، قبل أن تدعو عام 2013 إلى حرمان أي مسؤول منتخب يُدان بجرائم تتعلق بالمال العام من تولي أي منصب مدى الحياة، متسائلة: "متى سنقر الحرمان المؤبد من المناصب العامة لكل من يُدان بجرائم مرتبطة بوظيفته العامة؟".

غير أن تلك التصريحات، التي بدت آنذاك تعهدا سياسيا بمحاربة الفساد، ارتدت على صاحبتها لاحقًا. ففي الوقت الذي كانت تتباهى فيه بأن سجلها "خالٍ من الفساد" وأن يديها "نظيفتان"، كانت، بحسب ما خلصت إليه المحاكم الفرنسية، تدير منظومة لتحويل أموال عامة إلى خدمة حزبها، وهي القضية التي انتهت بإدانتها وإدانة الحزب نفسه.

فقدان المصداقية السياسية والأخلاقية

تعلق الصحفية الفرنسية روخايا ديالو على هذه المفارقة بقولها: إن حزبا يرفع شعار احترام القانون والنظام ثم يدان في قضية اختلاس أموال عامة، يفقد جزءا كبيرا من مصداقيته السياسية والأخلاقية.

وتتساءل ديالو: كيف يمكن لحزب يتبنى خطابا صارما ضد الجريمة أن يقنع الناخبين بأنه حارس للقانون، بعدما ثبت تورطه في إساءة استخدام الأموال العامة؟

وتمتد المفارقة إلى صميم الخطاب السياسي للحزب؛ فبينما ظل لسنوات يحمل المهاجرين مسؤولية استنزاف موارد الدولة، تكشف هذه القضية أن من أساء استخدام المال العام هم قادة الحزب أنفسهم، بعدما حوّلوا أموالًا أوروبية خُصصت لدعم المؤسسات الديمقراطية إلى خدمة مصالحهم الحزبية.

وتختم بالقول: إن مارين لوبان لم تبد أي ندم، ولم تقدم اعتذارا عن الأفعال التي أدانها القضاء، رغم أنها كثيرا ما تستحضر "القيم الجمهورية" في خطابها السياسي. 

وبالنسبة لديالو، فإن غياب الاعتراف بالخطأ لا يقل خطورة عن الجريمة نفسها، لأنه يثير تساؤلات حول أهلية لوبان وحزبها للاستمرار في المطالبة بقيادة فرنسا.

الجريدة الرسمية