مصطلحات زمن الغلاء
لكل زمن مرادفاته ومصطلحاته، وفي زمن مبارك اشتهر محمد الرزاز وزير المالية ومهندس قانون الضريبة على المبيعات الذي تم إقراره في مطلع التسعينيات ورسم الأيلولة، بعبارة “لا مساس”، وكان هذا المصطلح يعني ضمنًا اعتزام الحكومة رفع أسعار السلعة التي قال الرزار إنه لا مساس بها.
في زماننا هذا، ظهرت مصطلحات بديلة وأشهرها ما تسميه وزارة التموين تنقية بيانات المستفيدين بدلا من الحذف، جميل أن تتيح الوزارة حق التظلم للمحذوفين من التموين، ولكن كيف تطلب منهم -ومعظمهم من كبار السن والمعدمين والمطحونين ولا يجيدون القراءة والكتابة ولا يملكون موبايلات من الأساس- استخدام التكنولوجيا والدخول على منصة مصر الرقمية وملء استمارة تحديث البيانات، إلا إذا كانت تريد تعجيزهم أو تطفيشهم..
ولا ينتهى الأمر عند هذا الحد، بل ألزمتهم بتقديم ما يثبت الانتهاء من تحديث البيانات على المنصة الإلكترونية، ثم التوجه إلى مكتب التموين المختص لتقديم طلب التظلم.
والسؤال: من هو الشخص الذي يمتلك القدرة والصبر على أن يقوم بكل هذه الإجراءات ليثبت أنه ليس لديه دخل أو إنفاق أو أملاك أو حيازة، والتي قد يستغرق بندًا واحدًا منها أيام بل شهور من اللف والدوران والدوخة على الجهات والمصالح الحكومية؟!
أعرف ناس استبعدتهم وزارة التموين رغم أنهم –على عكس ما أعلنته- لا يقيمون في الكمبوندات السكنية، ولا يدرس أبناؤهم في مدارس دولية، ولا يملكون سيارات فارهة، وليس لهم دخل شهري من الأساس.
وزارة التموين -بما تفعله مع الغلابة- أشبه بمن وجه الدعوة للناس في قاعة لكنه غرر بهم ليجدوا باب القاعة مغلقًا بعد تلبية الدعوة، أو أغلق عليهم الباب بالضبة والمفتاح ومنعهم من الخروج بعد حضورهم.
أيضا ظهر مصطلح لا تحريك بدلًا من لا مساس، والتحريك يعني الزيادة أو الخفض.. غير أننا لم نر خفضًا في أي أسعار منذ التعويم الأول للجنيه في نوفمبر 2016 سوى 3 مرات، الأولى خفض أسعار البنزين بقيمة 25 قرشًا في أكتوبر 2019.
والثانية في 2023 عندما اتفقت خلالها الحكومة مع اتحاد الغرف التجارية واتحاد الصناعات على خفض أسعار 7 سلع أساسية (الفول، الجبن الأبيض، اللبن، المكرونة، السكر، الدواجن والبيض، والأرز) بنسب تتراوح بين 15% إلى 25%، وصاحب القرار إعفاء الـ 7 سلع من الجمارك والرسوم لمدة 6 أشهر لتسهيل الإفراج عنها.
والثالثة في مارس 2024 عندما عقد رئيس الوزراء اجتماعًا موسعًا مع كبار مصنعي ومنتجي السلع الغذائية، وتم الاتفاق على خفض أسعارها بنسبة تتراوح بين 15% إلى 20% خلال 48 ساعة من القرار.
لكن اتفاق الحكومة على خفض الأسعار لم يكن له قيمة ومجرد حبر على ورق، لأن إتحاد الغرف التجارية ليس له ولاية على الأسواق والأمر متروك لضمير البائع، والدليل أنك إذا تجولت في أكثر من مكان للتسوق، ستجد تفاوتًا رهيبًا في الأسعار، الكل يبيع بالسعر الذي يريده وبهامش الربح الذي يحدده، إلى حد أنك تضرب كفًا على كف من فرط ضخامة التفاوت في غياب أي رقابة على الأسواق.
غير أنه مقابل خفض أسعار البنزين ربع جنيه مرة واحدة، أصدرت الحكومة 18 قرارًا بزيادته، و10 قرارات بزيادة أسعار الكهرباء منذ عام 2014 كجزء من خطة إعادة الهيكلة وإلغاء الدعم، وكذلك قرارات عديدة بزيادة أسعار الغاز.
صحيح أن رواتب موظفين الحكومة في مصر شهدت زيادة 8 مرات منذ عام 2014، وارتفع الحد الأدنى الأساسي من 1200 جنيه في 2014 ليصل إلى 8000 جنيه بدءًا من الشهر المقبل يوليو 2026. لكن هذه الزيادات لا يستفيد منها 83% من المصريين..
لأن نسبة موظفي الحكومة في مصر لا تمثل سوى 17% من إجمالي قوة العمل، بما فيها القطاع الخاص، وهو رقم ضئيل جدًا، كما أنه شتان الفارق بين زيادات الرواتب والزيادات التي حدثت في أسعار كل شيء بحيث أصبحت المقارنة بينهما أشبه بالفارق بين النملة والفيل.
* ليس هناك أسوأ من أن تطالب نائبة بالبرلمان يفترض أنها تدافع عن الشعب وتمثله وتتحدث باسمه، أن تطالب بتدخل الدولة لرفع سعر البيض.
* لا توجد مكارثية أسوأ من أن تمنع دولة حكما لكرة القدم من دخول أراضيها للتحكيم في مونديال تستضيفه دون أن تعلن أسباب هذا المنع، لم يحدث منذ انطلاق أول كأس عالم في 1930 أن تم منع حكم من دخول دولة منظمة لأسباب سياسية.
هكذا فعلت أمريكا في زمن ترامب مع الحكم الصومالي عمر أرتان الحاصل على لقب الأفضل في أفريقيا 2025، رغم اعتماده رسميًا من الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا"، وكذلك فعلت كندا الشيء نفسه مع توماس بارتي نجم غانا.
كرة القدم لعبة تدعو في جوهرها إلى كسر الحواجز بين الشعوب والثقافات، ومن الخطأ لدولة يفترض أن تمتلك إرثًا دستوريًا قويًا يحمي حرية التعبير والمعتقد، أن تلجأ لهذه المكارثية ضد حكم كرة قدم.
تحية للاتحاد الأوروبي لكرة القدم الذي وجه صفعة للقرار الأمريكي بإسناد مهمة إدارة مباراة السوبر الأوروبي بين باريس سان جيرمان بطل دوري الأبطال وأستون فيلا بطل الدوري الأوروبي في 12 أغسطس المقبل بالنمسا، إلى الحكم الصومالي المستبعد.
* ما يحدث في دور المجموعات بالمونديال لا يرقى لمستوى المنافسة.. المتعة الحقيقية ستبدأ فعليًا في دور الـ 16 وليس دور الـ 32 الذي قد يفرز فرقًا تلقت هزيمتين قي 3 مباريات وصعدت وفق قاعدة أفضل توالت.
