العيني والنقدي.. المال أم رغيف الخبز؟!
عاد ملف الدعم النقدي إلى واجهة النقاش العام بعد التصريحات الأخيرة الصادرة عن وزارة التموين بشأن جاهزية ملف التحول إلى منظومة الدعم النقدي، في خطوة تمثل أحد أكبر التحولات الاجتماعية والاقتصادية في مصر منذ عقود.
وبين مؤيد يرى فيه وسيلة أكثر عدالة وكفاءة، ومتخوف يخشى أن يكون بداية لانسحاب الدولة من مسؤوليتها التاريخية تجاه محدودي الدخل، يبقى السؤال الأهم: أيهما أفضل للمواطن المصري، الدعم العيني أم الدعم النقدي؟
يقوم الدعم العيني على توفير سلع وخدمات أساسية بأسعار مدعومة، وفي مقدمتها الخبز والسلع التموينية، بينما يعتمد الدعم النقدي على منح المستحقين مبالغ مالية أو أرصدة إلكترونية تمكنهم من شراء احتياجاتهم بأنفسهم. وترى الحكومة أن النظام الجديد يمنح المواطن حرية الاختيار ويحد من الهدر وتسرب الدعم لغير مستحقيه، مع إمكانية توجيه الموارد بصورة أكثر كفاءة وعدالة.
وعلى الورق تبدو الفكرة جذابة؛ فبدلًا من إلزام الأسرة بشراء سلع محددة قد لا تحتاجها، تحصل على قيمة الدعم وتقرر بنفسها أولوياتها الغذائية والمعيشية. كما أن التجارب الدولية تشير إلى أن الدعم النقدي يمكن أن يقلل من حلقات الفساد والوساطة ويجعل تكلفة الإدارة أقل.
لكن الواقع المصري يفرض أسئلة أكثر تعقيدًا من النظريات الاقتصادية. فالدعم النقدي ينجح عندما تكون الأسواق مستقرة والأسعار منضبطة وقيمة العملة مستقرة نسبيًا.
أما في بيئة تشهد معدلات تضخم مرتفعة وتقلبات مستمرة في الأسعار، فإن الخطر الأكبر يتمثل في تآكل القيمة الحقيقية للدعم النقدي بمرور الوقت، بحيث يصبح المبلغ الذي يكفي الأسرة اليوم عاجزًا عن تلبية احتياجاتها بعد أشهر قليلة إذا لم تتم مراجعته دوريًا.
وقد اعترفت الحكومة نفسها بأن نجاح المنظومة يتطلب تحديث قيمة الدعم بصورة مستمرة بما يتناسب مع تغيرات الأسعار.
وهنا يبرز الفارق الجوهري بين الدعمين. فالدعم العيني يضمن للمواطن سلعة محددة مهما ارتفع سعرها في السوق، بينما الدعم النقدي يضمن مبلغًا ماليًا فقط. فإذا تضاعف سعر الخبز أو الزيت أو السكر، فإن المستفيد هو الذي يتحمل الفرق ما لم تتم زيادة قيمة الدعم بنفس الوتيرة.
والحقيقة أن القضية لا تتعلق بالأرقام وحدها، بل بالأمن الاجتماعي أيضًا. فالدولة المصرية لم تنفق المليارات على منظومة الخبز طوال عقود باعتبارها مجرد سياسة اقتصادية، وإنما باعتبارها صمام أمان اجتماعي يحمي ملايين الأسر من الجوع ويمنع تقلبات السوق من الوصول إلى موائد الفقراء.
ومن هنا يحق للمواطن أن يتساءل: هل يحتاج الفقير إلى حرية الاختيار أم إلى ضمان توافر الغذاء؟ وهل تستطيع الأسرة محدودة الدخل أن تواجه ارتفاع الأسعار بمجرد مبلغ نقدي ثابت؟ وهل ستظل قيمة الدعم النقدي قادرة على شراء الكمية نفسها من السلع بعد عام أو عامين؟ ومن يضمن ألا تلتهم موجات التضخم هذا الدعم كما التهمت دخولًا ومدخرات كثيرة من قبل؟
أما الطبقة الوسطى، وهي الفئة التي تعرضت خلال السنوات الأخيرة لضغوط اقتصادية متزايدة، فلها تساؤلات أخرى لا تقل أهمية. فهل سيقتصر الدعم مستقبلًا على الفئات الأشد فقرًا فقط؟ وهل ستجد ملايين الأسر التي لا تُعد فقيرة رسميًا ولا غنية واقعيًا نفسها خارج منظومة الحماية الاجتماعية؟ وهل يتحول الدعم من حق اجتماعي واسع إلى برنامج محدود النطاق؟
لقد نجحت دول عديدة في تطبيق الدعم النقدي، لكنها فعلت ذلك في ظل أسواق مستقرة وأنظمة معلومات دقيقة وآليات مراجعة مستمرة لقيمة الدعم. أما في دول أخرى فقد أدى ضعف الرقابة وارتفاع التضخم إلى تراجع القوة الشرائية للمستفيدين وتحول الدعم النقدي إلى أرقام لا تكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية.
ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: هل الدعم النقدي أفضل أم الدعم العيني؟ بل: هل الظروف الاقتصادية الحالية تسمح بالانتقال الآمن إلى الدعم النقدي؟ وهل تم إعداد الضمانات الكافية لحماية الفقراء من تقلبات الأسعار؟ وهل سيبقى رغيف الخبز متاحًا ومضمونًا كما هو اليوم؟
ففي النهاية، قد يختلف الاقتصاديون حول أفضل وسائل الدعم، لكنهم يتفقون على حقيقة واحدة: الجائع لا يبحث عن النظريات، بل عن الطعام. والمواطن البسيط لا يقيس نجاح السياسات بعدد الدراسات والتقارير، وإنما بما يصل إلى مائدة أسرته كل يوم. ولهذا ستظل قضية الخبز في مصر أكثر من مجرد بند في الموازنة العامة..
إنها قضية أمن اجتماعي واستقرار وكرامة إنسانية، وقبل الانتقال من الدعم العيني إلى النقدي يبقى السؤال معلقًا: هل يحتاج المصريون إلى أموال أكثر، أم إلى ضمانة أكيدة بأن رغيف الخبز سيظل في متناول الجميع؟
ويبقى السؤال الأهم الذي يسبق كل حديث عن الدعم النقدي أو العيني: هل الدعم منحة من الحكومة تعطيه بالطريقة التي تريدها هى أم المواطن صاحب المصلحة؟ وهل سألت الحكومة المواطنين الذين سيطالهم هذا القرار؟
وهل أجرت الحكومة حوارًا مجتمعيًا حقيقيًا مع أصحاب المصلحة المباشرين؛ من الفقراء ومحدودي الدخل وأبناء الطبقة الوسطى والخبراء والنقابات ومنظمات المجتمع المدني؟ أم أن الأمر يُدار باعتباره قرارًا فنيًا تتخذه السلطة التنفيذية وحدها ثم يُطلب من الناس التكيف معه؟
