رئيس التحرير
عصام كامل

المصالح والقلوب!

18 حجم الخط

العبرة في الأديان ليست بكثرة المظاهر، وإنما بقدرتها على تهذيب الإنسان وإعادة تشكيل علاقته بربه وبالناس؛ وبعد كل موسم عبادة يطرح الإنسان على نفسه سؤالًا قديمًا متجددًا: هل تتغير الطقوس وحدها أم تتغير معها النفوس أيضًا؟ وهل تكفي الشعائر إذا بقيت القلوب أسيرة للأحقاد والضغائن والحسد؟


نعيش زمنًا تتسارع فيه الحياة وتتضخم فيه المصالح حتى أصبحت معيارًا يحكم كثيرًا من العلاقات. لم يعد السؤال عند بعض الناس: من يحبني؟ بل: من ينفعني؟ ولم تعد الروابط الإنسانية تُقاس بما فيها من وفاء ورحمة، بل بما تحققه من مكاسب ومنافع. فإذا انتهت المصلحة انفضّ الجمع، وإذا توقف العطاء انقطع الود، وكأن المحبة عقد مؤقت ينتهي بانتهاء المنفعة.


لكن هل كانت البشرية هكذا دائمًا؟ أم أننا نعيش مرحلة من التراجع الأخلاقي جعلت الإنسان أكثر انشغالًا بنفسه وأقل اهتمامًا بغيره؟


لقد وصف القرآن الكريم بعض أمراض النفوس التي تهدد المجتمعات فقال تعالى: (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾. فالحسد والبغضاء والأنانية ليست مجرد عيوب فردية، بل عوامل هدم اجتماعي تقوض الثقة بين الناس وتحوّل المجتمع إلى ساحة صراع خفي.


ولذلك جاء توجيه النبي ﷺ واضحًا حين قال: «لا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانًا». فالمشكلة لم تكن يومًا في قلة الموارد، وإنما في أمراض القلوب التي تجعل الإنسان يتألم لنعمة غيره أكثر مما يفرح بما عنده.


ومن هنا يبرز سؤال مؤرق: إذا كنا نؤمن بأن الأرزاق مقسومة، فلماذا يحسد بعضنا بعضًا؟ وإذا كنا نوقن أن ما عند الله لا يناله أحد إلا بإذنه، فلماذا تتحول المنافسة المشروعة إلى كراهية دفينة؟ ولماذا أصبح نجاح الآخرين عند بعض الناس مصدر ضيق بدل أن يكون مصدر إلهام؟


إن أخطر ما يواجه الإنسان المعاصر ليس الفقر المادي وحده، بل الفقر العاطفي والأخلاقي. فقد كثرت وسائل التواصل وقلّ التواصل الحقيقي، واتسعت دوائر المعرفة وضاقت دوائر المودة، وأصبح كثيرون محاطين بالناس لكنهم يشعرون بالوحدة. وما أكثر المصافحات التي تخفي الخصومات، والكلمات التي تتزين بالمجاملة بينما تضمر عكسها القلوب.


ومع ذلك لا يجوز أن ننظر إلى الواقع بمنظار التشاؤم المطلق؛ فما زالت في الناس بقايا خير عظيمة، وما زالت قيم الوفاء والرحمة والإيثار حاضرة في بيوت كثيرة وقلوب كثيرة. غير أن التحدي الحقيقي هو أن ننتقل من الشكوى إلى المراجعة، ومن اتهام الآخرين إلى محاسبة أنفسنا.


فهل المشكلة حقًا في الزمن أم في الإنسان؟ وهل تغيرت الدنيا أم تغيرت معاييرنا؟ وهل نستطيع أن نبني مجتمعًا أكثر رحمة إذا ظل كل فرد ينتظر من الآخرين أن يتغيروا قبله؟


إن إصلاح المجتمعات لا يبدأ من القوانين وحدها، بل من الضمائر. وعندما يدرك الإنسان أن قيمة الحياة ليست فيما يجمعه من مكاسب، بل فيما يتركه من أثر طيب بين الناس، عندها فقط تستعيد العلاقات معناها، وتعود المحبة إلى مكانها الطبيعي، ويصبح النجاح الحقيقي هو أن يلقى الإنسان ربَّه بقلب سليم لا يحمل حقدًا لأحد ولا حسدًا لأحد، مصداقًا لقوله تعالى: "يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ".

الجريدة الرسمية