رئيس التحرير
عصام كامل

الذين نجَوا من الزواج بأعجوبة

18 حجم الخط

في هذه الحياة لا يستحق الحسدَ إلا الذين نجَوا من الزواج بأعجوبة وبقوَا عزابًا، وكل ما سوى ذلك شكليات! الذين لم يتزوجوا صانوا أنفسَهم -ابتداءً وانتهاءً- من أفخاخ قوانين الأحوال الشخصية التي تدبر بليل، وتكيد بالرجال كيدًا عظيمًا، وتمكر بهم مكرًا شديدًا!


الذين لم يتورطوا في ارتباط وزواج أفلتوا من كوكتيل أمراض يتم توزيعه "باكدج" على المتزوجين، تزامنًا مع التوقيع على قائمة المنقولات، ويشمل: الضغط والسكر والقلب كحدٍ أدنى، وقد يصل في مراحل متقدمة إلى الجلطات والشلل والعصب السابع وانفجار المخ.

الأزمة لا تكمن في هذه الأمراض القاتلة، ولكن في الأدوية غير المتاحة أصلًا، وغرف العناية المركزة التي لا يحصل عليها إلا المحظوظون وأولو القربى.. أمَّا أبناء السبيل فالموت لهم!


السناجل أيضًا لا يمسُّهم الفقر، وما أدراك ما الفقر، لو كان الفقر رجلًا لأطاح ابن أبي طالب برأسه؛ ذلك لأن السناجل لا يعولون إلا أنفسهم غالبًا؛ ومن ثم فسوف تكفي الواحدَ منهم لُقيماتٌ يُقمن صُلبه، ولن يكون مضطرًا إلى شراء ساندوتشات الشاورما والبيتزا ووجبات الدجاج الساخنة والجبن الرومي واللانشون والزبادي وأدوية القولون عند كل مساء، وإن تخاذل أو تقاعس فلا يلومن إلا نفسه!


وكما يمتلك العُزاب حظوظًا أوفر في الحصول على حياة هادئة دون منغصات مُستدامة؛ فإنهم -بطبيعة الحال- مؤهلون للحياة أعمارًا أطول. العِبرة ليست بتقادم السنوات وكثرتها، ولكن بجودة الحياة. 

أن يعيش الإنسان أربعين أو خمسين عامًا دون دفع مصاريف مدارس وجامعات وسبلايز ودروس خصوصية وملابس الشتاء والصيف والعيدين أفضل له كثيرًا من أن يعيش ثمانين أو تسعين عامًا، يقضي ربعهم أو ثلثهم في الإقامة بالمستشفيات وقاعات محاكم الأسرة، ويظل السجن احتمالًا قائمًا أيضًا. ومن يعش ثمانين عامًا لا أبا لك يسأم!


يوم الشخص العازب ليس 24 ساعة فقط، ولكن قد يكون عشرة أضعاف ذلك؛ لأنه يوم "مبروك"؛ فهو لن يكون مهمومًا سوى بنفسه وإرضائها والطبطبة عليها، على أنغام رائعة نانسي عجرم: "أطبطب وأدلع"؛ ومن ثم لن يكون مشغولًا بأداء واجبات اجتماعية ومالية، أكثر صعوبة على نفسه من واجبات الفيزياء والميكانيكا، تحت تهديد سلاح "النكد والكرب العظيم". 

الأعزب قد لا يكون ملزمًا بالحصول على قرض أو دين؛ ليسدد به أعباء جسيمة غير متوقعة.. الدين همٌّ بالليل ومذلة بالنهار.. أما القرض فإنه يفرش لك طريقًا إلى سين وجيم ونون!


الأعزب سوف ينال غالبًا جرعة معتبرة من النوم كل مساء؛ لأنه مدعوم ضد باقة النكد اليومية التي يحصل عليها المتزوجون بحصص متفاوتة، خاصة في المساء. وعندما يستيقظ في الصباح ويذهب إلى عمله لن يتلقى عبر الهاتف مطالبات مادية سخيفة أو رسائل نصية متناهية الغباء! 


عندما يُنهي العازب دوام العمل تبقى الاختيارات أمامه مفتوحة؛ فقد يُولّي وجهه شطر السينما أو المسرح، أو السهر مع أصحابه حتى مطلع الفجر، دون أن يتلقى رسائل غاضبة ومنغصة للحياة، ويكون لها ما بعدها، أو يُهرع إلى مسكنه دون أن يجد مندوبًا عن إله النكد عند قدماء المصريين بانتظاره، ودون أن ينازعه أحد أيضًا في ريموت التكييف أو التليفزيون!


أتقصى دائمًا أخبار مشاهير السناجل وعوامهم في مصر وحول العالم، فلا أجدهم إلا في سعادة مطردة أو راحة بال متعاظمة، وفي إقبال على الحياة وإدبار من الموت الذي هو كأس وكل الناس شاربه. 

كأس الموت يشربه العازب مرة واحدة عندما يحين أجله، فيما يتجرعه المتزوج مرات ومرات قبل أن يأتيه أجله! عزيزي الأعزب.. أيهما تفضل أن تكون: إسحاق نيوتن وعباس العقاد مثلًا، أو تصبح مثل "عبد الشكور"؟ ولئن سألتني مَن هو "عبد الشكور"، فهو "واحد صاحبي متعرفوش"، ولكنه أراد تمرد على "السنجلة"، واقتحم القفص الذهبي" الذي سلمه بدوره إلى غياهب الفقر وقاعات السجون!


الشخص الأعزب يبقى قادرًا حتى المشيب على الإنتاج والإبداع والتوهج المتواصل، وذلك على النقيض من المتزوج الذي يتم تحنيطه مبكرًا وتحويله إلى ماكينة صراف آلي متحركة، و"شوفير" تحت الطلب!


الأعزب سوف يذهب إلى الطبيب إذا مرض، وإلى المطعم إذا جاع، وإلى متجر الملابس إذا تطلب الأمر دون تردد، وإلى المتنزه إن ضاقت نفسه وسكنها الملل، وأنى له الملل؟ أما المتزوج فليس من حقه أبدًا أن يعيش هذه الرفاهية؛ (لأن اللي عاوزه البيت يحرم على الجامع)، ولكن عليه أن يطوف الشوارع كما المجذوب مثل: محمود عبد العزيز في فيلم "جري الوحوش"، صارخًا: "أنا مش أنا يا دكتور"!


تتيح لك العزوبية مساحة أكبر من الصحراء الغربية لإعطاء الأولوية لصحتك النفسية والاهتمام بها وتجنيبها مواطن المشاحنات والمعارك ما صغر منها وما كبر، وما ظهر منها وما بطن. عندما تكون أعزب فإنك تمتلك الحرية في بناء قدراتك المهنية واكتساب مهارات وخبرات عملية جديدة، بل وتغيير "كاريرك"، إذا تطلب الأمر،  ولكن لن يكون بإمكانك الحصول على "أوبشن واحد" مما سبق، عندما تكون متزوجًا وتعول. 

 

الأعزب شخص مرشح دومًا للحياة، أما المتزوج فهو مشروع جنازة مؤجلة أو متهم محتمل، وربما مدان بأحكام غيابية لا يعرف عنها شيئًا إلا إذا تم استيقافه في كمين شرطة بالصدفة البحتة، أو عندما يحزم حقائبه معتزمًا السفر خارج البلاد. 


أما الأكثر أهمية مما قد سلف.. فإن الأعزب لن يكون منشغلًا -على أية حال- بمعارك قوانين الأحوال الشخصية: الحالي منها واللاحق، وما يكتنفها من محاولات تقزيم الرجل وتهميشه وتحويله إلى شبح إنسان أو شبه رجل، يمكن إعادته إلى أمه خلال الشهور الستة الأولى من الزواج دون إبداء أسباب، أو "تلبيسه" ابنًا ليس من صُلبه حال مرور أكثر من أسبوع على ولادته، رغم أن قانون حماية المستهلك يسمح بإعادة البضاعة المباعة أو استبدالها خلال ضِعفي المدة المذكورة أعلاه! 

الكلاب الضالة أصبح لها مَن يسأل عنها الآن ويدافع عن حقها في البقاء، أمَّا المتزوجون فإن عصابات النواشز تحرض على الفتك بهم ليل نهار بقوانين مُحكمة أعدت في غرف مظلمة.. ألم يأتك نبأ التسريب إياه؟! تلك العصابات التي تفسد فطرة الله التي فطر الناس عليها؛ حيث أحالت الزواج الذي يفترض فيه السكينة والمودة والرحمة إلى فخ أشبه بمصائد الفئران!

وأخيرًا.. فإن الأعزب.. لروحه السلام، أمَّا المتزوج.. فلروحه المرج والخصوص وبلاد ما وراء الرشاح وضواحيها ومقابر الصدقة!

الجريدة الرسمية