السيدة هاجر سيدة أهل التوكل والصبر واليقين
عزيزي القارئ تحدثنا في مقالات عديدة عن قصة رؤيا سيدنا إبراهيم، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، وما كان من حاله وحال الابن الصالح المطيع لله تعالى ولأبيه، وأشرنا إلى طاعتهما لله عز وجل والتسليم والرضاء الكامل والصبر الجميل في هذا البلاء العظيم، الذي لا يتحمله إلا خاصة الخاصة من أهل الإيمان وأهل الصدق في محبة الله تعالى.
ولم نتحدث عن أم الذبيح السيدة هاجر عليها السلام زوجة نبي الله إبراهيم عليه السلام، وأم نبي الله إسماعيل عليه السلام، والتي تعتبر رمزًا عظيمًا للإيمان المطلق، والتوكل على الله تعالى والصبر الجميل، وهي الرمز الأسمى للزوجة الصالحة التقية النقية العارفة بالله تعالى صاحبة اليقين والتوكل على الله عز وجل..
وقد تجلّى إيمانها العظيم عندما تركها سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام بأمر من الله عز وجل هي ورضيعها سيدنا إسماعيل عليه السلام في وادٍ غير ذي زرع، في صحراء مكة المكرمة الموحشة في ذاك الوقت، الخالية تماما من أسباب الحياة عدا الهواء فقط، فسألته قائلة: يا إبراهيم أللَّهُ الذي أمَرَكَ بهذا؟ فلما قال لها: نعم، قالت: إذَن لا يُضَيِّعُنا..
وكان قولها على أثر الإيمان واليقين الكامل بالله جل جلاله العليم القادر القدير، الذي لا يضيع أولياءه وعباده الصالحين، وهي عليها السلام النموذج الأمثل للأم الصابرة صاحبة حال التسليم والانقياد المطلق لله تعالى وللزوج، فقد تحمّلت مشقة الصحراء والوحدة والعطش في سبيل الله وتربية ابنها، مما جعلها مثالًا يُحتذى به في التضحية والاعتماد على الخالق..
هذا وبالرغم من يقينها الكامل بالله والذي عبرت عنه بقولها لسيدنا إبراهيم عندما هم بتركها وطفلها الرضيع في صحراء مكة “اذهب فإن الله لا يضيعنا”، وبالرغم من ذلك أعطت للبشرية درس عظيم وهو الأخذ بالأسباب مع تعلق القلب بمسبب الأسباب سبحانه..
ولما نفد ما كان معها من الماء وضعت الطفل الرضيع وأخذت تهرول بين جبل الصفا وجبل المروة سبع أشواط بحثا عن الماء، وهنا تتدخل العناية الإلهية ولينبع ماء زمزم من تحت قدم الطفل الرضيع، تفجّر بئر زمزم بفضل سعيها ويقينها، أنقذها الله وابنها فأصبحت من أوائل من شرب منه..
ولصدق حالها جعل الله سعيها بين الصفاء والمروة من شعائر الحج، وأصل شعيرة السعي وركن من أركان الحج. هذا وقد جعل الحق عز وجل ذكرها دائم عبر الزمان إلى أن يأذن الله سبحانه بفناء الدنيا.
والسيدة هاجر هي أول من رجم الشيطان عندما أراد أن يوسوس لها ويضعف إيمانها، بعدما تركها سيدنا إبراهيم ورضيعها، فتعوذت بالله تعالى منه ورجمته. هذا والسيدة هاجر هي أم العرب وأم سيدنا إسماعيل الذي يندرج من نسله الكريم سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام وسائر العرب..
