لماذا نفرح في الأعياد؟ رؤية عميقة من الشيخ فرحات السعيد المنجي
الشيخ فرحات السعيد المنجى، نحتفل هذه الأيام بعيد الأضحى المبارك، العيد الذى تتجلى فيه معاني الطاعة والوفاء، ويأتى بعد أداء فريضة الحج بما تحمله من عظات ودروس أخلاقية. وفى مقال كتبه الشيخ فرحات السعيد المنجى، رئيس قطاع مدن البعوث الإسلامية الأسبق وأحد علماء الأزهر ــ الذى رحل عام 2012 ــ أوضح فيه لماذا شُرعت الأعياد وما الحكمة منها، فقال:
بمناسبة قدوم عيد الاضحى المبارك، ليس فى مقدور أحد أن يحدد على وجه الدقة متى بدأ الإنسان يعتبر بعض الأيام مواسم للفرح والابتهاج، يتخذ منها أسبابًا لإظهار البهجة والسرور، والقيام بوسائل عديدة للترويح عن النفس، من تبادل التهانى والزيارات وارتداء الملابس الجديدة، تعبيرًا عما يشعر به من سعادة وانشراح.

الشيخ فرحات السعيد المنجى
ويضيف الشيخ فرحات السعيد المنجى: وإذا كان الناس لا يستطيعون تحديد بداية هذه المظاهر، فليس معنى ذلك أنه لم تكن هناك مواسم للعيد وإعلان الفرح والسرور، فقد عرفت الأعياد منذ الأزمنة القديمة، لأنها نزعة فطرية صاحبت الإنسان منذ عرف الاجتماع البشرى.
وكما قال العلامة ابن خلدون: «فالأعياد سنة فطرية جبل عليها الناس، وعرفوها وفكروا فيها منذ تعامل البشر بعضهم مع بعض». وبحكم هذه الفطرة، كان لكل أمة أيام تظهر فيها زينتها، وتخفف عن نفسها ما يصيبها من مشاق الحياة وآلامها.
لكل أمة أعيادها الخاصة
وتابع الشيخ فرحات السعيد المنجى: لذلك كان لكل أمة أعيادها الخاصة ومواسمها المعينة، وفق ظروفها وتقاليدها وتطورها الفكرى. فالأعياد التى كان يتخذها العرب فى الجاهلية كانت تقوم على الفساد والانغماس فى الشهوات، حيث ارتبطت بالخمر واللهو وإتيان النساء ليلًا ونهارًا.
وكانت تلك الأيام سوقًا لصاحبات الرايات الحمراء، ومن يرفض تلك الممارسات يُعد عدوًا للآلهة، ويُحبس فى وادٍ مظلم لا يعرف مكانه إلا كهنة المعابد. وكان الناس فى الجاهلية يحددون أيامًا حسب أهوائهم، إشباعًا لرغباتهم أو إرضاءً لأفكار ومعتقدات فاسدة لا تستقيم مع المنطق السليم.
فلما جاء الإسلام، أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالدعوة إليه بالحكمة والموعظة الحسنة، ونظر إلى ما يعد من سنن الحياة فلم يلغِه، لكنه أبدله بيومين خير منهما: يوم الفطر ويوم الأضحى.
وروى البخارى ومسلم أن فتيانًا من الحبشة دخلوا المسجد يوم عيد، يلعبون بالدفوف والحراب ويرقصون ويغنون فرحين، والنبى صلى الله عليه وسلم ينظر إليهم. فسألهم عما يقولون، فقالوا: «محمد عبد الله صالح». ثم جاء عمر بن الخطاب فنهرهم، فقال النبى صلى الله عليه وسلم: «دعهم يا عمر، لتعلم يهود أن فى ديننا فسحة، وإنى بُعثت بحنيفية سمحة».
قدوة في استقبال الأعياد
هكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قدوة فى استقبال أعياد الإسلام، وكان هدفه إدخال السرور على المسلمين، لتصبح تلك سنة تسير عليها الأجيال من بعده.
ففى عيد الفطر أقر صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر شكرًا لله على إتمام فريضة الصيام، ومشاركة فى إدخال السرور على الفقراء، حيث قال عليه الصلاة والسلام: «أغنوهم عن ذلة السؤال فى هذا اليوم».
ذبح الأضاحي
وفى عيد الأضحى أمر النبى صلى الله عليه وسلم بذبح الأضاحى والتوسع فى توزيعها على الفقراء. ويذكر الشيخ فرحات السعيد المنجى أنه عندما أصاب الجفاف أهل البادية وهلك كثير من دوابهم، وفد عدد كبير منهم إلى المدينة المنورة فى موسم عيد الأضحى طمعًا فى لحوم الأضاحى، فطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل المدينة ألا يدخروا شيئًا من لحوم الأضاحى فوق ثلاثة أيام، حتى يسدوا حاجة أهل البادية.
ولما جاء العام التالى وزال الجفاف، خطب النبى صلى الله عليه وسلم قائلًا: «كنت قد نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحى لأن أهل البادية كانوا قد وفدوا على المدينة، وفى هذا العام أخصبت البادية، فكلوا وادخروا».
اللهو الصاخب عبث
فالإسلام دين لا يعرف اللهو الصاخب؛ لأن اللهو الصاخب عبث، كما لا يعرف القنوط والعبوس؛ لأن القنوط يأس من روح الله. وإنما هو دين الوسطية، البعيد عن الإفراط والتفريط، يحترم عقل الإنسان المسلم، بحيث يكون سلوكه نابعًا من وجدان مؤمن وعقل رشيد.
ومن هنا وصف القرآن أتباع الإسلام بأنهم «أمة وسطًا»، تأمر بالمعروف الذى يتفق مع الفطرة والعقل، وتنهى عن المنكر الذى ترفضه الفطرة السليمة والعقول الرشيدة، ولذلك كانت أعياد الإسلام مثالًا واضحًا للوسطية.
لفظ العيد ذُكر فى القرآن مرة واحدة
ويختتم الشيخ فرحات السعيد المنجى مقاله بقوله: إن لفظ «العيد» لم يرد فى القرآن الكريم إلا مرة واحدة، فى نهاية سورة المائدة، عندما طلب الحواريون من سيدنا عيسى عليه السلام مائدة من السماء، فدعا ربه قائلًا: «اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدًا لأولنا وآخرنا وآية منك».
أما فى السنة النبوية، فقد ورد لفظ العيد كثيرًا فى مناسبات عدة، منها ما رواه البخارى أن النبى صلى الله عليه وسلم قدم المدينة، وكان لأهلها يومان يلعبون فيهما فى الجاهلية، فأبدلهم الله بهما يومى الفطر والأضحى.








