رئيس التحرير
عصام كامل

قبل 76 عاما، محمد التابعي يفضح وعود الحكومات في زمن الغلاء

الصحفى محمد التابعى
الصحفى محمد التابعى
18 حجم الخط

الكاتب الصحفى محمد التابعى ــ المولود فى مثل هذا اليوم 18 مايو عام 1896 ــ كتب مقالًا فى مجلة آخر ساعة عام 1950، أثناء أزمة اقتصادية شديدة ضربت العالم، وأثرت على الحياة فى مصر، حتى زادت معاناة الفقراء وانخفض مستوى المعيشة.

الصحفى محمد التابعى 
الصحفى محمد التابعى 

وجاء مقاله تحت عنوان «كلام فى كلام»، وقال فيه: «لا أعرف مسئولًا، وزيرًا كان أو غير وزير، فى هذه الوزارة أو فى أى وزارة سابقة، لم يتحدث ويملأ فمه الحلو بالكلام المعسول عن رفع مستوى المعيشة، ومكافحة الفقر والجهل والمرض، وتضييق الفوارق بين الطبقات، والعمل على تخفيف معاناة المواطنين، حتى أصبحت أسماء المسئولين الذين يتحدثون فى هذا الشأن تملأ مجلدات».

ويضيف الصحفى محمد التابعى: «لقد تحدث كل عضو تقريبًا من أعضاء هذه الوزارة ــ عام 1950، آخر وزارة قبل ثورة يوليو ــ فى مناسبة ما أو فى غير مناسبة، وأجره محسوب عند الله فى كل معنى من هذه المعانى: مكافحة الفقر والجهل والمرض، وتحسين مستوى المعيشة، وإذابة الفوارق بين الطبقات.

وكانت النتيجة أنه بعد مرور ثلاثة أعوام على تشكيل الوزارة، ظلت الأمانى والمشروعات التى وُعد بها الناس مجرد كلام فى كلام، ووعود معلقة فى الهواء توشك أن تصبح هباءً، عدا وعد واحد تحقق، هو الوعد برفع مستوى المعيشة، إن كان رفع مستوى المعيشة يعنى رفع تكاليف المعيشة وارتفاع الأسعار، واللى ما يرضاش بالتوت يرضى بشرابه».

أقة الكوسة بـ6 قروش

يقول الصحفى محمد التابعى: «ضججنا بالشكوى من الغلاء، وتعجبنا كيف أصبحت أقة الكوسة بستة قروش، وقلنا إنها فضيحة، وما هى إلا أيام حتى أصبحت أقة الكوسة بـ20 قرشًا. وبعد ذلك يخرج صديقى القديم المحترم، وزير التجارة، ليقول تحت القبة: إن مصر فى نعمة إذا ما قيست أسعارها بأسعار البلاد الأخرى. وعزاء أيها المصريون، كلما جعتم، أن سواكم من البشر أشد جوعًا، بينما الغلاء يتزايد وأسعار أوقة الكوسة فى ارتفاع».

تخفيض الجنيه أمام الدولار

بعض المسئولين يشرحون أسباب الداء، ومنها ارتفاع أسعار القطن، وهذا غير صحيح، أو على الأقل ليس السبب الوحيد، لأن سعر القطن الذى لم يكن يزيد على عشرين جنيهًا ارتفع عام 1921 إلى خمسين جنيهًا، ومع ذلك لم ترتفع أسعار الخضراوات بالشكل نفسه. بينما يرد آخرون الغلاء إلى تخفيض سعر الجنيه أمام الدولار.

ويتابع الصحفى محمد التابعى: «وآخرون يزعمون ــ وجميعهم، كما ترى، خبراء وأخصائيون ــ أن سبب الغلاء هو كثرة النقد المتداول بين أيدى الجمهور، وآخره كلام فى كلام فى كلام. والمطلوب أن يتفق الأطباء والخبراء أولًا على حقيقة أسباب الغلاء، ثم يتفقوا بعد ذلك على تشخيص الداء، ثم على وصف الدواء وإعداده، وأن يأخذ المريض بأسباب الشفاء، وأن يضع الشعب المصرى على بطنه حزامًا من صبر أيوب، وعلى الله الثواب».

الصحفى محمد التابعي

الصحفى محمد التابعى من مواليد عام 1896، وحصل على ليسانس الحقوق من جامعة القاهرة عام 1923. واتجه إلى العمل الصحفى بعد أن عمل موظفًا بقسم الترجمة فى مجلس النواب.

تفرغ للكتابة فى الأهرام بتوقيع «حندس»، ثم انتقل إلى العمل فى روز اليوسف بعد المساهمة فى تأسيسها وكتابة المقالات السياسية بها. 

كما أسس مجلة آخر ساعة عام 1934، ثم شارك مع محمود أبو الفتح فى تأسيس جريدة المصرى عام 1936.

مقالات هزت عرش الحكومات 

انتقلت مقالات الصحفى محمد التابعى إلى الأخبار، وكان الصحفى الوحيد الذى يرافق العائلة المالكة فى رحلاتها الطويلة إلى أوروبا، ثم يفضح ممارساتها فى مقالاته.

وتفرغ للكتابة السياسية ونقد الأوضاع السائدة بأسلوب النقد المسرحى، فكتب مقالات تُسقط وزارة وأخرى تُقيم غيرها، حتى هزت كتاباته عروش الحكومات.

رسالة الصحافة محاربة الظلم

ويتحدث محمد التابعى عن نفسه قائلًا: «أرى أن الصحافة تستطيع أن توجه الرأى العام، لا أن تتملقه أو تكتب ما يسره ويرضيه. ورسالة الصحافة عندى أن تحارب الظلم أيًا كان، وأن تقول ما تعتقد أنه الحق، ولو خالفت فى ذلك الرأى العام. وأن يفوتك مائة سبق صحفى خير من أن تنشر خبرًا كاذبًا. وقليلون منا نحن الصحفيين من أوتوا الشجاعة لإبداء آرائهم، دون أن يبالوا باتهامهم فى نزاهتهم أو بأنهم مأجورون يتقاضون ثمن مقالاتهم من دولة أو جهة ما. وإننى أفضل أن أكون إنسانًا ملتزمًا بالقيم والمبادئ والمثل العليا والأمانة الصحفية، على أن أكون أشهر صحفى فى العالم».

الجريدة الرسمية