رئيس التحرير
عصام كامل

من PUBG إلى تيك توك، كيف يحاول إخوان ميدان اصطياد جيل زد في غرف الألعاب الإلكترونية؟

غرف الألعاب الإلكترونية
غرف الألعاب الإلكترونية
18 حجم الخط

بينما يظن المراهقون أنهم يقودون معارك افتراضية خلف شاشات الهواتف في ألعاب مثل PUBG وRoblox، أو يتبادلون الشفرات داخل غرف Discord، يقبع في الجانب الآخر كادر إخواني مُهندس رقميًا يحول اللعبة إلى شباك صياد، إذ بعد سنوات من السقوط الشعبي المدوّي في الشارع المصري والعربي، يحاول ما يعرف باسم جبهة ميدان داخل جماعة الإخوان اختراق جيل زد من بوابة مجتمعات الألعاب والمنصات الرقمية؛ حيث لم يعد القيادي الإخواني يرتدي الجلباب ويوزع المنشورات، بل بات لاعبًا محترفًا يتسلل كصديق افتراضي، يستدرج المراهقين من متعة اللعب إلى مستنقع السياسة، تمهيدًا لتجنيدهم كـ "ذئاب رقمية منفردة".

ويعتمد إخوان ميدان على تزييف الذاكرة السياسية لجيل لم يعاصر حقبة الفوضى والدمار الإخواني عقب عام 2011، حيث تتحرك الجبهة عبر هذه المنصات بخطة ممنهجة تقوم على إعادة إنتاج المظلومية والتشكيك في مؤسسات الدولة تحت لافتات  "ميمز" ساخرة، محاولةً تحويل غرف الألعاب من مساحات للتسلية إلى غرف غسيل أدمغة. 

أدوات اختراق جيل Z

يُعرف علماء الاجتماع ومحللو البيانات "جيل زد" بأنه الجيل المولود في الفترة ما بين منتصف التسعينيات 1996 وحتى عام 2010، وهذا الجيل يتميز بخصائص سيكولوجية واجتماعية محددة تجعله هدفًا استراتيجيًا للتنظيمات المتطرفة، إذ يعتبر أول جيل يولد وفي يده هاتف ذكي، لا يستقي معلوماته من الصحف أو التلفزيون الرسمي، بل يعيش داخل خوارزميات منصات التواصل الاجتماعي. 

ووفقا لخبراء، الشاب الذي يبلغ من العمر الآن 16 أو 18 عامًا، كان طفلًا رضيعًا أو لم يولد بعد في 2011 و2013؛ وبالتالي لم يشاهد محاصرة المحاكم، ولا تفجير مديريات الأمن، واغتيال النائب العام، وحرق الكنائس، وهي الفجوة المعرفية التي ينفذ منها التنظيم.

ويشير المركز العربي للبحوث والدراسات في ورقة تحليلية حول سلوك الأجيال الرقمية إلى أن الجماعات الراديكالية تعيد صياغة سردياتها لتتناسب مع جيل يبحث عن الإجابات السريعة، ويميل إلى التمرد الطبيعي على الأهل والمجتمع، مما يجعله صيدًا سهلًا إذا لم تحصنه الدولة بذاكرة وطنية بديلة. 

جبهة ميدان، لماذا يتصدر هذا الفصيل خطة الاختراق؟

بعد الانقسامات التاريخية التي ضربت الجماعة بين جبهتي لندن وإسطنبول وانشغالهما بالصراع على الأموال والمناصب، ظهرت جبهة ميدان أو تيار التغيير الثالث التي تتبني خطًا أكثر عنفًا ورقمية، وهذه الجبهة تحديدًا تركز على جيل زد لأنها تدرك أن القواعد القديمة للتنظيم تلاشت، وأي محاولة لإحياء التنظيم التقليدي الإخواني القائم على "الأسر والشعب" في مصر هي انتحار أمني. 

ويسعى تيار ميدان إلى خلق ما يعرف بـ الذئاب الرقمية المنفردة أو الخلايا العنقودية الافتراضية، مستغلًا نزوع الشباب نحو التغيير والمغامرة، ووفقا لخبراء، يرغب هذا التيار في تحويل "الأخ" إلى "صانع محتوى" يرتدي ملابس عصرية ويوظف أدوات تكنولوجية معقدة عبر مسارات محددة. 

وحسب مصادر، تتسل عناصر الجبهة إلى خوادم ألعاب شهيرة مثل PUBG و Roblox وتطبيق المحادثات الصوتي Discord، حيث يدخل الكادر الإخواني كلاعب محترف، ثم يبني علاقة صداقة مع المراهقين، ويبدأ تدريجيًا في تمرير إسقاطات سياسية تشكك في إنجازات الدولة الاقتصادية، وتصوير الواقع في مصر كبيئة سوداوية طاردة للشباب.

ويعتمد أنصار جبهة ميدان على الفيديوهات القصيرة تيك توك ـ Reels التي لا تتجاوز 30 ثانية، واستخدام تقنيات الميمز الساخرة لضرب هيبة مؤسسات الدولة، وبعد ذلك يتم انتاج جرعات درامية قصيرة تجعل المراهق يتعاطف مع المتهمين في قضايا إرهاب باعتبارهم "ضحايا رأي"، دون معرفة جرائمهم الحقيقية.

كما يدشن إخوان ميدان منصات تعليمية موازية، مثل تأسيس صفحات ومجموعات تقدم دورات مجانية في البرمجة، واللغات، والتسويق الإلكتروني لجذب جيل زد المهتم بسوق العمل الحر ـ Freelancing، وخلال هذه الدورات يتم بث أفكار ومفاهيم سيد قطب حول العزلة الشعورية والهجرة من المجتمع بشكل ناعم وحتمية الفشل.

موانع ضخمة ضد أهداف إخوان ميدان 

رغم الأموال الضخمة والآلة الإعلامية الممولة، تؤكد الشواهد الميدانية أن محاولة إخوان ميدان محكوم عليها بالفشل الذريع لعدة أسباب، على رأسها وعي الأسرة المصرية، فالآباء والأمهات الذين عاصروا انفلات الأمن وتهديد الدولة الوطنية في 2012، يمثلون حائط الصد الأول الذي يفضح أكاذيب الرواية الإخوانية لأبنائهم بمجرد طرحها في البيوت.

ووفقا لخبراء، السبب الثاني والأكثر أهمية هو طبيعة جيل زد نفسه؛ الذي لا ينتمي عقائديًا لأي كيان، مما يعني أنه لن يكون قادرا على الالتزام بمبدأ السمع والطاعة الإخواني الذي يتناقض كليًا مع تركيبة جيل يقدس الفردية والحرية الشخصية ويقضي وقته في البحث عن مساحته الخاصة وسوق العمل الحر، وهو ما يجعل محاولة صهره في قوالب الإخوان الجامدة شبل مستحيل. 

ويؤكد مراقبون أيضا أن اليقظة السيبرانية للأجهزة المعلوماتية في مصر، نجحت بالفعل في تجفيف منابع التمويل الرقمي للتنظيم وتفكيك لجانهم الوهمية، مما يحول ملايين الحسابات الإخوانية الافتراضية إلى مجرد ظاهرة صوتية عاجزة عن تحريك طفل واحد في الشارع المصري.

الجريدة الرسمية