أرجوك أخي الغبي الحبيب
عفوا عفوا فلست أشتمك أو أسبك، فهل يليق بالأخ أن يسب أخاه! كلا لا يليق ولا يجوز أدبا وخلقا وشرعا، لكن الحادث أن هذه الكلمة توصيف لتصرفات مؤلمة، أصنعها أنا وتصنعها أنت بل نأتيها كلنا، وبعدها ومعها نصرخ أن الشارع صار مجنونا وبات مجنونا وأصبح سيركا للمجانين.
ونغلو في التشخيص ونقسو على هويتنا، ونرمي المصريين الحاليين بأنها نسخة مختلفة.. من أجل التهدئة العامة، ومن أجل أن نسترد مصريتنا المحببة الوديعة، ولكي نستعيد السماحة على الوجوه، والبسمة المتفائلة، والضحكة الحلوة المجلجلة بعد أن سمعنا معا آخر نكتة، سياسية أو زوجية، من أجل أن نعود كما كنا نماذج للذوق والأدب والأناقة تمشى على قدمين أو تنطلق على أربع، عجلات أقصد طبعا..
بدأت قولي بالرجاء والالتماس.. فأرجوك يا أيها التاجر الشاطر لا تسرقني، ولا تمص دمائي فجيوبي خالية وجلدي شف، ودخلي خف، وأرجوك يا من أنت ورائي في سيارتك أطلقت عليّ كلاكساتك كصوت الحمير، تصرخ وتجعر مثل مذيع أجحش، تريدني أن أحمل سيارتي وأطير لأوسع لك..
صدقني أيها الغبي الحبيب، حتى لو طرت أو تبخرت فثمة طابور طويل مستحيل أن يتبخر أو يطير، فلذلك عليك بالتعقل وعليك بالتصبر، وتذكر أنك بدورك عبء على من هو وراؤك.. ومع ذلك ورغم رجواتي ودعواتي فما زلت تطلق صفارات سيارتك كأنها نغم لأنغام أو لحليم.. هل تزعل لو وصفتك في سرى بأنك أحمق؟
في سري قلتها، لكن مع استمرار الضغط المتصل على صفارة الإزعاج القاتل هذه ومع إصرارك على أن الطريق مفتوح أمامي وأنني أتلكأ لإغاظتك، وهو أمر غير وارد عقلا أساسا، فإنني مضطر أن أشير لك بأصابعي نحو رأسي علامة على أنك بلا عقل، ولا تعقل الأمور وأنك لا مؤاخذة. راكب دابة.. الدابة هي السيارة منعا لسوء الظن فرجت من عند ربنا..
كنت أعتزم النزول لأوضح لك أيها الأخ العصبي الغالي أنني لا أتقدم بالسيارة لأن السيارة التي أمامي لا تستطيع أن تتقدم بسبب السيارة التي أمامها وهكذا وهكذا، فوجدت الأخ الذي أمامي فتح باب سيارته مغضبا حانقا مكفهرا، وينزل إليك ليصرخ فيك وأنت مختبئ وراء الزجاج ويقول افهم يا بني آدم.. الشارع واقف!
هذا ما صار ويصير دع الخلق للخالق والطريق للفوضى والكلمة للبلطجية.. من يجب أن نرجو أيضا؟ نرجو الجار أن يعرف أن جاره هو أول من يستغيثه إن احترق بيته، أو أصابه مرض داهم، وأن يخاطب جاره بمحبة، وأن يعلم أن باب العمارة يغلق علينا جميعا، وأن يمنع السيدة زوجته من شن عمليات ميدانية بعد منتصف الليل لزحزحة السفرة وكراسي السفرة لأن القوم في الطابق تحتهم نيام ومرضي وعشاق هدوء..
أرجوك سيدتي المرأة اللطيفة خفضي من صوتك، فلّست بذكر صوته شكمان، فجمالك في رقتك، فكما كانت قناعك وقت الحب والخطوبة، واصلي ارتداءها مع استمرار الحياة الزوجية. الصوت العالي إنذار بغضب واحتداد..
وأنت أنت أخي الرجل، وأخاطب نفسي، قدر تعب السيدة الشقيانة في بيتك، واعلم أنها لم تعد الآنسة، بل الأم والعاملة والموظفة والبائعة والزوجة.. ربما يؤلمك أنها الزوجة في آخر سلم المسئوليات.. وكنت تتوقعها في أوله، زوجة ثم زوجة ثم عاملة ثم والدة، فأنت محبط.. هي أيضا محبطة، ولعلها تتأسى أسفا على ما راح منها من فطرة الرقة والعذوبة، وأن الأيام مرمطتها كما تمرمطك.. أرجوك يا كل إنسان على هذه الأرض كن إنسانًا.. ليس أكثر. فقط كن إنسانا..
