جابر عصفور.. وأنا.. وفاروق حسني!
في نوفمبر عام 1997 أثناء عملى مدير مراكز رامتان طه حسين الثقافي، اتصلت بالدكتور جابر عصفور الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة، لافتا أن عام 1998 يكون قد مر 25 سنة على رحيل طه حسين، واقترحت أن يتم الاحتفاء بهذه الذكرى، على أن تقام الاحتفالية بالمتحف والمركز بهذه المناسبة، خاصة أنه حدث لن يتكرر..
ثمن الدكتور جابر عصفور هذا الأمر ووافق على الفور، وطلب منى الاتصال به بعد أسبوع أو عشرة أيام، وحدث بالفعل، وأبلغني بأنه تم تكوين لجنة لإعداد الاحتفالية برئاسة الدكتور صلاح فضل، علي أن أكون أحد أعضائها، بحكم منصبي، وطلب التواصل والتنسيق مع الدكتور صلاح فضل.
بالفعل تم التواصل وكلفني الدكتور فضل بترشيح أسماء عربية ومصرية حتى يتم وضع تصور متكامل لأكثر من يوم، وبكل جدية بدأت البحث والتدقيق في الأسماء، وكل فترة كنت أتصل بالدكتور صلاح فضل أو العكس، أبلغه فيها بآخر الأخبار والأسماء المقترحة، وفجأة انقطع التواصل بلا سبب واضح..
فاتصلت بالدكتور جابر عصفور لإبلاغه بالموقف، فإذا به يقول: الاحتفالية ستكون في المجلس الأعلى للثقافة في الزمالك (قبل أن ينتقل إلى موقعه الحالي)! وبرر ذلك بأن المكان أكبر ويتسع لعدد أكبر، ولكنى أوضحت أن بيت عميد الأدب العربي هو الأفضل حتى لو كان “كوخ”، خاصة أن الاحتفالية ستكون حدثا لأنها تحدث لأول مرة منذ رحيله، حيث يفتح بيته ويستقبل تلاميذه..
فلم أجد من الدكتور جابر عصفور ردا مقنعا، إلا أنه فاجأني قائلا: بصراحة الوزير يا محمد بعد ما وافق تراجع.. أعمل إيه؟ القرار في إيده بالرغم إني معاك في رأيك في كل ما قلته! وحاول الدكتور عصفور تطيب خاطري فقال: الذى أستطيع فعله هو عمل رحلة لبعض الضيوف للمتحف والمركز.
شعرت بالضيق من موقف الوزير بسبب تراجعه بعد موافقته، والحقيقة كنت أعتبر هذه الاحتفالية الجادة، تأكيدا ودعما لنشاط مركز رامتان طه حسين الثقافي، ودعاية للمتحف الذى كان الكثير يعتقد أن عميد الأدب العربى كان يسكن في حى الزمالك، والحقيقة أنه ترك حى الزمالك منذ عام 1955 وانتقل إلى الهرم، الذى كان قليل السكان وهادئا وهو ما أراده العميد.
لم استمر في اللجنة المنظمة بدعوى انشغالي، واعتبرت أن عدم إقامة فعاليات الحدث في رامتان خسارة كبيرة، لأن إقامتها في المتحف والمركز سيكون حدثا غير عادي، وسيفيد المكان وسط الزخم الإعلامي الذى يصاحب مثل هذه المناسبات..
شعرت أن ما حدث هو إبعاد الأضواء عن رامتان خاصة أن المركز قدم موسمين، أحدث ردود فعل قوية في الأوساط الثقافية، الأول بعنوان "طه حسين من جديد" شارك فيه كبار تلاميذ عميد الأدب العربى، الدكتور عبدالقادر القط، الدكتور حسين نصار، الدكتور إبراهيم عبدالرحمن، الدكتور جابر عصفور، الدكتور محمد عناني، الدكتور الطاهر مكي، الدكتور عبدالمنعم تليمة وغيرهم..
أما الموسم الثاني فكان أكثر نجاحا وحمل عنوان "أثر العولمة في حياتنا"، شارك فيه عدد من أهم العقول المصرية مثل الدكتور حامد عمار، الدكتور إسماعيل صبرى الله، الدكتور جلال أمين، كامل زهيري، الرائد الإعلامي صلاح زكي، نور الشريف، سمير فريد، الدكتور عاصم الدسوقى وغيرهم..
أما إقامة الاحتفالية في المجلس الاعلى، سيكون مثل أي حدث عادي، هكذا كنت أرى وما زلت مقتنعا به. لذا عندما جاء موعد الاحتفالية، ذهبت إلى المجلس الأعلى للثقافة، ووجدت زحاما شديدا من الجمهور، والحقيقة لم يعجبني هذا المظهر لأننى كنت أعلم أن الهدف منه الشو فقط، ومن عجب أن كانت الندوات تقام ويتحدث فيها كبار المثقفين، والقاعة بلا نظام..
وفي نفس الوقت كان هناك بوفيه عظيم يزدحم حوله الجمهور، متجاهلين الندوات، فشعرت بالغضب وتركت الاحتفالية التى كلفت الدولة الكثير، حيث تم استضافت مثقفين من العراق وسوريا والمغرب العربى وأوروبا، ولكن هكذا أرادوا إقامة حفلة أكثر منها حوار جاد حول فكر عميد الأدب العربي.
تواصلت مع الدكتور جابر عصفور الذي أبلغني بأن الدكتور أحمد مجاهد سيحضر غدا مع عدد من المحاضرين العرب لزيارة المتحف، ولكن ودون إبلاغ الدكتور جابر عصفور قررت إقامة ندوة للوفد، وقام الزملاء بقيادة وكيل المركز السيدة زينب منهى بالتواصل مع الجمهور..
وفعلا في اليوم التالى جاء الوفد وزار بيت عميد الأدب العربي، وبدلا من الانصراف فوجئوا بأنني أبلغهم أن القاعة على آخرها ومنتظرين تشريفكم، بالرغم من المفاجأة إلا أنها كانت ندوة رائعة ومتميزة.
الأمر الثاني كنت قررت إقامة موسم ثقافي موازٍ للاحتفالية بدلا من قراري أنني كنت سأكتفي فقط بالاحتفالية، خاصة أن مرور خمسة وعشرين عاما على رحيل طه حسين هى أيضا الذكرى الخامسة والعشرين على إنتصار السادس من اكتوبر العظيم، من هنا كان البدء، ولأول مرة جعلت الموسم ثلاثة أقسام..
الأول عن الانتصار العظيم، حيث تم اقامة ثلاث ندوات شارك فيها اللواء إبراهيم الدخاخني، الإعلامي الكبير حمدي الكنيسي، المخرج محمد راضي، الكاتب الكبير أسامة أنور عكاشة، الدكتور على الدين هلال.. وغيرهم..
الجزء الثانى عن الدكتور طه حسين، شارك فيه تلميذته النجيبة الدكتورة فاطمة موسى، الدكتور عبدالحميد إبراهيم، الدكتور حسين كامل بهاء الدين وزير التربية والتعليم، يضاف لهم ندوة الضيوف العرب، الدكتور أنور لوقا، الدكتور على عباس علوان، الدكتور سالم بن حميش، الدكتور محمد بن شريفة..
القسم الثالث كان تنويعات ثقافية، شارك فيه بهاء طاهر، سعد أردش، لينين الرملي، محفوظ عبدالرحمن، أبوالعلا السلاموني، نصير شمة، ورامي عادل إمام.
ونجح الموسم نجاحا مبهرا، وكان التنوع الذي حدث أحد أهم عوامل النجاح، ولا أنسى ندوة المثقفين العرب لأنهم اقترحوا وضع اسم متحف طه حسين على برنامج مصر السياحي، خاصة أن طه حسين شخصية عالمية، ونشرت الأهرام الاقتراح ثم ذهب التنفيذ مع الريح، وعلمت بعد ذلك أن النجاح الذي حدث كان أمرا مزعجا للبعض في الوزارة.. ولكني لم أهتم!
