رئيس التحرير
عصام كامل

أنا مصرية.. وأنا أعترض

18 حجم الخط

في لحظة صدق مع النفس يحق لي أن أتساءل: ما هي حقوقي كمواطنة مصرية ولدت على هذه الأرض وحملت هويتها وانتميت لتاريخها الممتد عبر آلاف السنين؟ 

أنا ابنة هذا الوطن، لم آت إليه طارئة، ولم أكن يومًا ضيفة على أرضه، هذه الأرض أرضي، وهذا الوطن وطني، وهنا عاش أجدادي، وهنا يجب أن أعيش بكرامة وحق أصيل، لا بمنة من أحد، لكن لماذا يتسلل إلى داخلي هذا الشعور القاسي بأنني أصبحت بلا حقوق حقيقية في بلدي؟!

لم أكن يومًا رافضة للآخر ولا منغلقة على فكرة أن الوطن يمكن أن يكون مساحة إنسانية رحبة، ولكنني في المقابل لم أُمنح حق التساؤل أو المشاركة في قرارات فتحت أبواب البلد على مصراعيها، دون أن تضع في اعتبارها شعور المواطن البسيط، أو تضمن له ألا يكون هو الطرف الأضعف في معادلة يفترض أنها تقوم على العدل والتوازن، فالمسألة لم تعد مجرد استضافة أو تعايش بقدر ما أصبحت إحساسًا متناميًا بأن المواطن المصري يتراجع خطوة بعد أخرى في ترتيب الأولويات داخل بلده.

ولم أوافق على واقع يجد فيه المصري نفسه مزاحمًا في فرص العمل والتعليم داخل وطنه، بينما تُفتح الأبواب بشكل أوسع لغيره، في مشهد يثير القلق ويطرح أسئلة صعبة حول مفهوم العدالة وتكافؤ الفرص، وكيف يمكن أن يشعر الإنسان بالانتماء الحقيقي إذا كان عليه أن يقاتل من أجل أبسط حقوقه في بلده!

ولم أكن جزءًا من قرار اقتلاع الأشجار، ولا من سياسات قلصت المساحات الخضراء التي كانت متنفسًا للناس، ولم أوافق على أن تتحول الحدائق إلى مساحات مغلقة، ولا أن يصبح الوصول إلى البحر الذي هو حق طبيعي لكل مصري امتيازًا لمن يملك فقط القدرة على الدفع، حتى باتت الشواطئ محاطة بالحواجز، وأصبح البحر بعيدًا عن ناسه، وكأن الهواء نفسه لم يعد مباحًا للجميع.

ولم أرحب بحالة العشوائية التي فرضت نفسها على الشارع، في ظل غياب التنظيم الحاسم ولا بانتشار مظاهر لم تخضع لتخطيط حقيقي يراعي شكل الدولة ولا راحة المواطن ولا أمنه اليومي، فأصبح المشهد العام يعكس ارتباكًا يدفع ثمنه المواطن وحده من جودة حياته ومن إحساسه بالأمان،
الأمر لم يعد مجرد قرارات متفرقة.. 

بل أصبح شعورًا عامًا بأن الحياة تزداد قسوة، وأن الضغوط تحاصر المواطن من كل اتجاه، وأن الطريق إلى الرزق والتعليم والعلاج بات أكثر صعوبة، وأن الدولة التي يُفترض أن تكون سندًا تحولت في نظر كثيرين إلى عبء إضافي يثقل كاهلهم بدلًا من أن يخفف عنهم.

ومع هذا كله أجد نفسي أمام سؤال أكثر قسوة: هل من حقي أصلًا أن أعترض؟ هل يحق لي أن أقول لا حين أشعر أن ما يحدث لا يعبر عني؟ أم أن الاعتراض أصبح تهمة في حد ذاته، وأن إبداء الرأي قد يُفسر وكأنه خروج على الصف، أو تمرد يستدعي عقوبات جاهزة تلوح في الأفق لكل من يقرر أن يتكلم؟

هل أصبح الصمت هو الخيار الآمن الوحيد؟ وهل تحولت المشاركة إلى مخاطرة؟ وهل بات على المواطن أن يختار بين أن يحتفظ برأيه لنفسه أو أن يتحمل تبعات لا يعلم مداها لمجرد أنه قرر أن يعبر عما يشعر به؟

أنا لا أبحث عن صدام ولا أدعو إلى فوضى، ولا أتمرد على فكرة الدولة بل على العكس أنا أتمسك بها، وأؤمن أن قوة أي وطن لا تكون إلا بقدرة أبنائه على التعبير والمشاركة دون خوف، وأن الشعور بالعدل هو ما يحمي الاستقرار الحقيقي لا الصمت المفروض، ولا الخوف الكامن في الصدور.

في وطني لا أطلب امتيازات، ولا أبحث عن ما ليس لي، بل أبحث فقط عن حقي الطبيعي أن أعيش بكرامة، وأن أشعر أن صوتي مسموع وأن وجودي له قيمة، وأن هذا الوطن الذي أنتمي إليه لا يضعني في موضع من يتردد حتى في السؤال عن حقه، بل يمنحني من الأمان ما يكفي لأقول ما أراه دون خوف، ودون أن أشعر أن مجرد الاعتراض قد يكلفني أكثر مما أحتمل.

الجريدة الرسمية
عاجل