رئيس التحرير
عصام كامل

الشاشات ساحات المعارك.. فمن يقود عقولنا؟

18 حجم الخط

لم تعد الحروب عسكرية فقط بل تجاوزتها إلى حروب المعلومات التي تدار أحيانا على السوشيال ميديا فحين تتحول الشاشات إلى ساحات معركة.. من يقود عقولنا؟ لم تعد الحروب تُخاض فقط على الأرض، بل أصبحت العقول هي الميدان الأخطر، حيث تتسلل الرسائل، وتُصاغ القناعات، ويُعاد تشكيل الوعي الجمعي ببطء ودقة. 

 

وما كُشف مؤخرًا -سواء عبر تقارير إعلامية أو تحليلات تقنية- يعيد فتح ملف بالغ الخطورة: من يدير الخطاب على منصات التواصل؟ ومن المستفيد من إشعال الكراهية بين أبناء الأمة الواحدة؟

لم يعد خافيًا أن الفضاء الرقمي بات ساحة مفتوحة لعمليات التأثير الممنهج، حيث تُستخدم الحسابات الوهمية، والروبوتات، وتقنيات الذكاء الاصطناعي لصناعة رأي عام زائف. هذه الأدوات لا تعمل بعشوائية، بل تُدار وفق أهداف واضحة: تضخيم الخلافات، تحويل الاختلاف الطبيعي إلى صراع، ودفع المجتمعات إلى حالة من الاستقطاب الحاد.


إن أخطر ما في هذه الظاهرة ليس فقط وجود أطراف خارجية تسعى للتأثير، بل قابلية الداخل للاستجابة. فحين تكون المجتمعات مثقلة بالأزمات، أو تعاني من ضعف في الوعي النقدي، تصبح أكثر عرضة لتصديق أي خطاب يُغذي مشاعر الغضب أو المظلومية. هنا تتحول الحملة الرقمية من مجرد محاولة تأثير إلى قوة حقيقية تعيد تشكيل الواقع.


اللافت أن كثيرًا من هذه الحسابات لا تقدم نفسها كطرف معادٍ، بل تتقمص هويات من داخل النسيج نفسه: دينية، وطنية، أو حتى ثورية. تتحدث بلسان الناس، وتتبنى قضاياهم، لكنها في الحقيقة تدفعهم نحو مزيد من الانقسام. هذه الازدواجية هي أخطر أدوات حرب الوعي، لأنها تُربك المتلقي وتفقده القدرة على التمييز بين الصوت الحقيقي والصوت المصنوع.


ولا يمكن إنكار أن جهات استخباراتية حول العالم -وليس جهة واحدة فقط- تمتلك قدرات متقدمة في هذا المجال، وتستخدمها ضمن استراتيجيات أوسع تتعلق بالأمن القومي والنفوذ السياسي. الحديث هنا لا يجب أن ينحصر في اتهام طرف بعينه بقدر ما يجب أن يتسع لفهم طبيعة اللعبة نفسها. والسؤال الأهم إذن: كيف نواجه هذه الحرب؟


المواجهة لا تكون بالصراخ أو تبادل الاتهامات، بل ببناء مناعة وعي حقيقية. تبدأ من الفرد الذي يرفض أن يكون مجرد ناقل للمحتوى دون تحقق، وتمر بالمؤسسات الإعلامية التي عليها مسؤولية تقديم محتوى مهني يفرّق بين الخبر والتحليل، وتنتهي بمنظومة تعليمية تُعيد الاعتبار للعقل النقدي.


إن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن تُهاجَم من الخارج، بل أن تفقد قدرتك على التفكير من الداخل. فحين يصبح الإنسان أسيرًا لما يُعرض عليه، يصدق ما يوافق هواه، ويرفض ما يخالفه دون تمحيص، فإنه يكون قد خسر المعركة قبل أن تبدأ.

في زمن تتزاحم فيه الروايات، لا يكون النجاة في اختيار الرواية الأكثر إثارة، بل في البحث عن الحقيقة الأكثر توازنًا. فالمعركة لم تعد على الأرض وحدها.. بل في داخل كل عقل يقرر: هل يفكر.. أم يُقاد؟

الجريدة الرسمية