رئيس التحرير
عصام كامل

إعلامنا العربي..غياب أم تغييب!

18 حجم الخط

هل أصبح الخبر في الإعلام العربي يُنشر بإذن، ويُحجب بقرار؟ وهل ما يُقدَّم للمشاهد هو الحقيقة كاملة، أم نسخة مُفلترة منها تخضع لحسابات لا علاقة لها بالمهنية؟ ولماذا يُبث خبرٌ خطير في وسائل إعلام دولية، بينما تغيب الإشارة إليه في شاشات عربية كبرى، رغم انشغالها بأخبار أقل وزنًا؟ أهو خلل في التحقق، أم تردد في القرار، أم أن هناك سقفًا غير معلن يُحدد ما يجوز وما لا يجوز؟


هذه الأسئلة لم تعد طارئة، بل أصبحت تعبيرًا صريحًا عن أزمة ثقة تتسع بين الجمهور ووسائل إعلامه، خصوصًا في لحظات الصراع الكبرى، حيث لا يكون الإعلام مجرد ناقلٍ للحدث، بل طرفًا فاعلًا في تشكيل الوعي به. ومع تصاعد المواجهة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، تتضاعف الحاجة إلى إعلام يقف على مسافة واحدة من الحقيقة، لا من التعليمات، ويُدرك أن الصمت أحيانًا لا يقل تأثيرًا عن التزييف.


المشكلة لا تبدو محصورة في مصداقية المصادر الأجنبية، فهذه تُعالج مهنيًا بالتحفظ والنسبة، بل في طريقة التعامل مع الخبر ذاته: هل يُنقل لأنه حدث، أم يُحجب لأنه “غير مناسب”؟ وهل أصبح القرار التحريري في بعض المؤسسات امتدادًا لاعتبارات سياسية، تُحدد ما يُقال وما يُؤجل، بدلًا من أن يكون انعكاسًا لميزان الأهمية؟ هنا يتحول الإعلام من مرآةٍ للواقع إلى أداةٍ لإعادة تشكيله، وفق ما يُسمح به لا وفق ما يحدث فعلًا.


وفي عالمٍ تُقاس فيه المصداقية بسرعة الوصول إلى المعلومة، يبدو التأخر في تغطية أحداث كبرى خللًا لا يمكن تجاهله. فالمشاهد الذي يرى الخبر في أكثر من منصة دولية، ثم لا يجده في إعلامه المحلي، لن ينتظر طويلًا ليطرح أسئلة مشروعة، ولن يتردد في البحث عن بدائل، حتى لو كانت أقل دقة. 

وهنا تكمن المفارقة المؤلمة: حين يفقد الإعلام ثقته، يفقد جمهوره، ومعه يفقد قدرته على التأثير، ليترك الساحة لروايات قد تكون أكثر انحيازًا وأقل التزامًا بالمعايير المهنية.


إن ما يجري يكشف عن أزمة أعمق من مجرد تأخر خبر أو غيابه، أزمة تتعلق ببنية إعلامية لم تحسم بعدُ موقعها بين المهنية والاصطفاف، وبين نقل الواقع وتكييفه. فالإعلام الذي ينتظر الإشارة ليتحرك، أو يخشى نقل ما قد يسبب حرجًا، يفرّط تدريجيًا في دوره، ويمنح الآخرين حق احتكار الرواية. 

وفي زمن تتعدد فيه المنصات وتتسارع فيه الأحداث، لم يعد ممكنًا إدارة الوعي بعقلية الحجب أو الانتقاء، لأن الجمهور نفسه بات شريكًا في إنتاج المعرفة، لا مجرد متلقٍ لها.


الحل لا يكمن في الشعارات، بل في استعادة المعنى الحقيقي للعمل الإعلامي: نقل الخبر كما هو، مع توضيح مصدره وحدود دقته، بدلًا من تجاهله. كما أن الفصل النسبي بين القرار التحريري والاعتبارات السياسية لم يعد رفاهية، بل شرطًا لبقاء الإعلام ذاته. وتطوير غرف الأخبار، لتكون أكثر سرعة ومرونة، لم يعد خيارًا، بل ضرورة يفرضها إيقاع العصر. والأهم من ذلك كله، هو ترسيخ مبدأ الشفافية مع الجمهور، لأن الصمت لم يعد يُفسَّر حيادًا، بل يُقرأ تواطؤًا أو عجزًا.

في النهاية، لا يتعلق الأمر بخبرٍ غاب عن الشاشة بقدر ما يتعلق بصورةٍ تتشكل في وعي المشاهد: هل إعلامه يعكس الواقع كما هو، أم كما يُراد له أن يكون؟ وبين هذين الاحتمالين، تُحسم معركة الثقة، التي هي اليوم أخطر من أي معركة أخرى.

الجريدة الرسمية