الأدب الحائر بين الأدباء!
الأدب في حياتنا ليس كما يتوهم المتوهمون، أنه حكرٌ على صفوة من دون الناس، وقد حازوا أسراره، وملكوا زمامه، فماجوا في بحر من بحور الأدب -الخيال- دونما إدراك منهم أن بحر الخيال في الأدب، لا يمخر عبابه سوى المهرة، ممن رشدوا الخيال ليسير في ركب الواقع.. فالأدب يسرى في ثنايا حياة الناس، ويواقع حوادثهم وملماتهم من دون إشعارهم بوجوده في جوف التفاصيل..
وما الأديب إلا باحث عن مكانه في التاريخ، يقتفي أثر فعل الأدب على الأرض، ليرشد الأنام لخير المآل.. حين يكون الأدب قد حوى بين طياته تجارب القرون المتراكمة عبر الزمان، ليكون منها الاستلهام والموعظة والدرس.. حينئذ يمد الأديب وهو الطبيب.. يمد يده لسحب الدواء الناجع للداء الفاجع في مجتمعه..
من هنا كان الأدب في حاجة ماسة لطبيب يستدعي عقاقيره المخبأة في أدراجه، حيث لا يكون الأديب أديبًا إلا باندماجه في حياة الناس، يناله منالهم من الآلام والأوجاع فتصدَّرهم وناب عنهم.. وهم قد ارتضوه، وقبلوا رؤيته فيما ستؤول إليه المآلات..
لا أن يصرخ كما يصرخون، ولا أن يلعن كما اللاعنون، بل يخط طريق الخلاص، فإذا بالصراخ واللعان قد توقفا.. ساعتها يكون الأدب وهو فى يد خبيرة بالواقع، يكون حراكًا حيًا على الأرض، يلامس حياة الناس، حين ينطق بحكمة تحملها ألسنة الأدباء، لا تراثًا يحاكي نفسه في عزلة داخل عقل من جعل من الأدب لذة تنتشي بوجدانه.
وقد صار الجدلُ عنيفًا في الوقوف على ماهية الأدب.. ولننأى بأنفسنا عن طحانه الذي استهلك المنعزلين عن حياة الناس، مستعلين على من لم يُصبْ حظهم في أبراجهم العاجية.. حتى تحولوا إلى ظواهر غريبة أصح ما يقال في شأنهم، أنهم بعثٌ لقديم من النصوص الجامدة المثالية خشبية التفكير،لا يُرتجى من هؤلاء تغيير على الأرض..
اللهم إنا نعوزهم للاستمتاع والهروب من الهموم بالتسرية والتسلية،وما جُعل الأدبُ وما كان الأدباء للفرار من الواقع.
فالأدب يتعامل مع الإنسان على اعتبار ثنائية التكوين بداخله.. حين يسير الإنسان بالمكون المادي والمكون الروحي.. وساعة يطغى المكون المادي عليه، ويتقهقر مكونه الروحي، تسود شريعة الغاب وقانون القوة، فيحل عهد الظلام بمشاهده الدامسة، فيرتع الظلم جراء غلبة القوي على الضعيف، ويستفحل الفساد لمَّا يدهس الأغنياء بأقدامهم الفقراء..
فيأتي الأدب ليرشد جنوح المادة، فى مجتمع القوة المادية مذكرًا أساطينه بمآل الأولين فى سنة السابقين، وإن لم يرعوا وأصروا استكبارًا، راح لضحاياهم من الضعفاء يحفزهم الثورة، والانعتاق من الخوف، مذكرًا إياهم بأن إرادة الشعوب لا غالب لها.. فيتحقق التوازن الاجتماعي فى حياة الناس.
وإذا استبد المكون الروحي لدى الإنسان، وشاع في المجتع وأذعن الناس له، وصارت العزلة والكهنوت والدروشة سلوكًا تكرس.. حين تتوقف حياة المجتمع عن ملاحقة خطوة العصر، بل ستكون تلك البقعة التي نحت ذاك المنحى فريسة سهلة للمتربصين بالمنعزلين عن العصر..
ويأتي الأديب بأدبه هنا ليصوب اعوجاجًا في القوم قد حدث، لمَّا يجد المكون المادي نفسه أما غلواء شطره الثاني -الروحى- بل ومهدد بالإقصاء من كهنوت ديني زائف، له قاعدة عريضة من المتيمين ببراق شعاراته.. يأتي الأدب هنا لكشف زيف أدعياء الروح وأدعياء الكهنوتية..
فالأدب في يد الأديب الماهر، يُحدث الفعل على الأرض حين الشطط والانحراف والزلل، لا أن يعتلي الأديبُ ربوةً عاليةً، يخاطب الناس بما لم يستحسه ويستعذبه سوى رفاقه الدائرين في فلك فن الألفاظ، وبديع العبارات، وروائع التصاوير والأخيلة، توهما منهم بإمكانية استغناء العرض المنمق عن المضمون.
وفي عودتنا لماهية الأدب توصيفًا.. فبمرور الزمن تعددت وسائل الأدب وتنوعت، حين تم للبشرية نضجها وتمام فتوتها.. فمنه المكتوب النثرى، ومنه المنطوق من الحكم والأمثال، ومنه الأغنية والقصيدة، ومنه الأسطورة والخرافة، ومنه رواية أحداث التاريخ وأخبار الغابرين..
وفي نقلة نوعية وثب الأدب إلى القصة والرواية والمسرح والمقالة والنقد.. وغير ذلك مما هو من عُدة الأدب ووسائله التي يستدعيها الأديب حسب إبداعه، ونوع ما يتقن، لتوصيل رسالة مؤداها: أنا الطبيب أداوي العصر ـ والأدب الدواء الذى أنتقي منه المناسب وداء المجتمع.
