الصفوة المغيبة والثورات الملونة!
قد شهدت منطقتنا العربية موجة من موجات الثورات الملونة، تلك التي أدت إلى انهيار دول، وخروجها عن معادلة الدولة، إلى الفوضى والضياع، إثر موجة الخريف العربي التي اجتاحت المنطقة في العام 2011.. وذلك حين تردت أوضاع بعض الدول، وتاقت شعوبها للخلاص من الفساد وسوء الإرادة..
لكن غضبة الشعوب المحقة تلك، تحولت بفعل أشباه النخب وأنصاف المثقفين إلى عمل تدميري، مكن الخارج من اختراق الثوار والإمساك بزمام التحول، إذ اندفع التنظيم الدولي للإخوان، عبر مساعدة الغربيين الطامحين في استهداف ثروات منطقتنا، فتمكن تنظيم الإخوان من ركوب رأس تلك الثورات، بل وحرف مسارها ناحية إسقاط الدول تحت شعار إسقاط النظام..
وما حدث لنا في تلك الفترة 2011، قد حدث مثله من قبل، فهيا بنا نتعلم الدرس من التاريخ، وتحديدًا ما وقع في الأندلس من ثورات للشعوب، كان قياد أمرها في أيدي أشباه نخب وأنصاف مثقفين، فضيّعوا الأوطان، وأنهكوا الشعوب، ولنا في التاريخ عبرة..
فقد بدأت الثورات تأخذ طريقها إلى الأندلس العربى، حين اكتشف أميرها الحكم بن هشام مؤامرة حيكت لخلعه (805 م) كانت من تدبير رهط من أكابر فقهاء الأندلس، كانوا يوغلون صدور الناس على أمير البلاد (الحكم بن هشام) الذى قضى على نفوذهم، وبعد عام (806 م) اندلع ما دبروه فى الخفاء، حين صدًّروا أسماءً تقود الجماهير نحو التمرد، وهم خلف الأستار يُحركون المشهد..
فاندلعت ثورة ـماردةـ تلك التى أشعلها (أصبغ بن عبد الله) ثم اندلعت ثورة -طليطلةـ (807 م) بزعامة (عبيدة بن حميد) وراحت الثورة تنفجر في كل بقعة تغيب فيها السلطة، فهبت ثورة -باجةـ (811 م ) وانتقلت الثورة إلى قرطبة فيما يُعرف بثورة -المولدين- (815 م).
وعاش الأندلس عهدًا عصيبًا، عزَّ فيه وجود النخبة الحقيقية، وكثر فيه أشباه النخب، فتسلط الأمراء والجند على الرعية، وأذاقوا العباد شر الاستبداد والقهر، ولمّا أراد الجسد الشعبي الانتفاض، كان جسدًا بدون عقل، حين غابت نخبته الحقيقية المنوط بها توجيهه صوب الخلاص، فانتفض في عديد ثورات، كانت ذات أهداف نبيلة وعظيمة..
وفي ظل غياب النخبة الرشيدة، يتصدر أشباه النخب المشهد الدامي الذى يحتاج لقيادة حكيمة، فركب على رأس تلك الثورات أشباه النخب، ومن ثم حرفوها عن مقاصدها المبتغاة، وذلك في غفلة من الجموع الثائرة، فنجحت في القضاء على النظم المستبدة، حين وحد الغضب العارم جموع الشعب.
وبعد السقوط سقطت حيوية الدولة، وعجز أشباه النخب من تدشين المستقبل، فكانت الفوضى مصير تلك الإمارات، التى حدثت بها تلك الثورات، وإذا بالأعداء الخارجيين، يتمكنون من تلك الإمارات الثائرة بسهولة ويسر، لمّا دب الخلاف عنيفًا بين أشباه النخب فيما بينهم..
وإذا أراد الله نجاة في ظل هكذا وضع، يأتي القدر في صالح الحاكم المستبد، إذا ما قمع الثورة بيد من حديد، بغية الحفاظ على تماسك الدولة، أيًا كان فسادها، فبقاء الدولة ولو فاسدة ولو مستبدة، أفضل بكثير من ضياعها ودخول الأعداء بيوت الأهالي والتنكيل بهم وذبحهم بدم بارد، ولمّا لم تأت هذه الثورات التي كان يقف خلفها الفقهاء في الأندلس بالتحريض بما كانوا يتمنون، باشروا هم بأنفسهم علنًا قيادة الجموع الغاضبة..
فكانت ثورة الفقهاء (818 م) تلك التي قامت في (الربض الشرقي) من ضواحي قرطبة -عاصمة الأندلس- وكانت الأندلس آنذاك تقع أمام عدوين لدوديين ـ القوط في "جيليقية"، والفرنجة في فرنسا ـ وكان يحكمها (الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل) وكان فقهاء المالكية من أيام أبيه عبد الرحمن الداخل، قد استفحل نفوذهم، وعلت كلمتهم، والشعب يسرى أينما حلوا (يحيى بن يحيى الليثي، وعيسى بن دينار، وطالوط المعافري الفقيه، وآخرون)..
وكان (الحكم بن هشام) على عكس سيرة أبيه، إستبد وطغى في فترة حكمه، وكوَّن شرطةً من الزنوج لا يتكلمون العربية، قساة غلاظًا يكرهون الجماهير وتكرههم الجماهير.
وفى مثل هذه الأجواء المتأزمة، كان العلماء يقفون موقف العداء من الأمير وشرطته، ودبر الفقهاء لعزل أمير البلاد -الحكم بن هشام- فأشعلوا الثورة التي انطلقت من المسجد الكبير، مسجد كبيرهم ـ طالوت المعافري شيخ المالكيةـ بالربض الشرقي، وأخذت ثورة الفقهاء البلاد لأتون الفوضى، وراح الأمير الحكم بن هشام يقمع الثورة، بكل ما لديه من قوة وبطش..
وتساقطت الضحايا، لكن هبة الشعب وغضبته كانت في أيدي ضعيفة مرتعشة (فقهاء المالكية) لا تقرأ واقع الدنيا خارج الأندلس، فقد كان الأعداء الفرنجة يتلمزون فرصة الإنقضاض على الأندلس فى ظل هكذا أجواء.
فانقضت جحافل الفرنجة، وغزت مدينة طرطوش بالثغر الأعلى للأندلس بقيادة (لويس بن شارلمان) في (819 م)، فانتهزها الحكم بن هشام فرصة، وراح يحشد جيوشه صوب الأعداء الغزاة، وإذا بالأمير المستبد، تحوله أشباه النخب من الفقهاء الثائرين، إلى بطل يحارب في جبهتين في آن واحد، داخلية ضد الثوار، وخارجية ضد جحافل المعتدين الفرنجة..
وهنا إنفض شعب الأندلس العربي المسلم في تلك الظروف، إنفض من حول الثوار، وراحت الجموع الغفيرة من الشعب تتداعى للجهاد والانضمام إلى جيش الحكم بن هشام، ورويدًا رويدا.. خبا ضوء الثورة، وأتت الأنباء من جبهة القتال بانتصار جيش الحكم بن هشام، وتحرير طرطوش وساد ضياء النصر.
وهنا استدار الحكم بن هشام نحو من تبقى من فلول الثوار، وضربهم ضربة شديدة، نالوا فيها استحقاق السير وراء أشباه النخب -الفقهاء الثائرون- وفر الفقهاء مشعلو الثورة (طالوت المعافرى، يحيى بن يحيى الليثى، عيسى بن دينار، مالك بن يزيد، موسى بن سالم الخولاني.. وآخرون).. فروا وتركوا خلفهم الثائرين يلقون مصيرًا قاتمًا..
فلو أنهم أدركوا التوقيت المناسب لإشعال الثورة، ما وقعوا في الخسران المبين، إذ كيف تثور لشأن داخلي والبلاد تتهددها الأخطار خارجيًا! فالنخبة الحقيقية لا تفعل هكذا فعل، والتاريخ لم يسجل في خطه العريض طغيان الحكم بن هشام، لكن التاريخ سجل لنا انتصاراته على الأعداء الخارجيين، وحمايته الأندلس وتوحيدها، وهكذا يفعل أشباه النخب وأنصاف المثقفين في كل عصر، يُهدون الأعداء مكامن ضعف أوطانهم عن جهل وتخبط.

