رئيس التحرير
عصام كامل

محمد باقر قاليباف، جنرال الظل وصانع الصفقات في دهاليز السلطة الإيرانية (صور)

رئيس البرلمان الإيراني
رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف
18 حجم الخط

منذ بداياته العسكرية، يحرص رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف على ترسيخ صورته كطيار؛ وتعمد الظهور في قمرة القيادة، متباهيا بقدرته على قيادة الطائرات العملاقة، مرتديا نظارات شمسية باهظة الثمن، وزيا عسكريا يبدو وكأنه صمم خصيصا من أجله.

ولد قاليباف في 13 أغسطس عام 1961 ببلدة طرقبة الواقعة قرب مشهد في شمال شرق البلاد لأب يملك متجرا؛ وحصل على الدكتوراه في الجغرافيا السياسية. 

وبرز نجمه من خلال صعوده في الحرس الثوري بعد الحرب العراقية الإيرانية (حرب الخليج الأولى)؛ حيث انضم إلى الحرس الثوري في عام 1980؛ وترقى بسرعة في الرتب ليتولى رتبة جنراال، ويترأس القوات الجوية في الحرس الثوري في عام 1997. 

وفي عام 1999، أصبح قائدا للشرطة، مؤمنا بأن النظام الإيراني الحالي وحده القادر على قيادة سفينة طهران إلى شاطئ الأمان.

ويتميز رئيس البرلمان الإيراني الحالي، والذي برز اسمه بقوة خلال فترة ما بعد اغتيال أمين المجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني، بوصفه الأقدر على اعتلاء طاولة التفاوض مع الولايات المتحدة في حال كانت لدى طهران وواشنطن رغبة حقيقة لإنهاء الحرب؛ فلسنوات طويلة اشتهر قاليباف بكونه "صانع صفقات" بارع، وأنه يتمتع بمرونة فائقة وبراجماتية يعرف متى وأين وكيف تدار المفاوضات.

اعتاد قاليباف التنقل باستخدام دراجة بخارية

ترشح قاليباف للرئاسة ثلاث مرات، لكنه خسر في كل مرة، وفي المرة الرابعة، انسحب من الترشح قبل الانتخابات بفترة وجيزة؛ وذلك على الرغم من نجاحاته الكبيرة التي حققها خلال توليه رئاسة بلدية طهران من عام 2005 إلى 2017، حيث أشرف على توسيع الطرق وتطوير مترو أنفاق العاصمة طهران، وإنشاء مساحات خضراء؛ واعتاد التجول في المدينة على دراجته النارية، ما أكسبه سمعة واسعة كرجل تكنوقراط قادر على تحويل الخطط إلى واقع ملموس.

رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف برفقة المرشد الإيراني الأعلى الراحل علي خامنئي
رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف برفقة المرشد الإيراني الأعلى الراحل علي خامنئي

وفي 2020، انتخب رئيسا للبرلمان الإيراني، ما منحه موقعا رئيسيا في هرم السلطة الإيرانية، وارتبط بعلاقة قوية بالمرشد الإيراني الأعلى الراحل علي خامنئي، جامعا في شخصيته ملامح القائد الميداني والتكنوقراط البراجماتي ورجل الصفقات القادر على المناورة وقراءة موازين القوى في لحظات التحول الحادة. 

رجل الظل وقائد الطوارئ

يوصف بعدة ألقاب منها "رجل الظل" أو "قائد الطوارئ" نظرا لدوره في إدارة الأزمات الداخلية والتحديات الخارجية، خاصة في فترات التصعيد الأمريكي الإسرائيلي ضد إيران، سواء في الحرب الراهنة أو في حرب الـ12 يوما التي امتدت من 13 وحتى 24 يونيو 2025.

وفي الحرب الأمريكية الإسرائيلية الحالية على إيران، كشفت مصادر باكستانية أنه جرى رفع اسم قاليباف، ومعه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، من قائمة الشخصيات التي تستهدف القضاء عليهم، ‌بعد أن ⁠طلبت ⁠باكستان من واشنطن عدم استهدافهما لدورهما التفاوضي.

وخلال الفترة الماضية، روجت تقارير إعلامية إسرائيلية وأمريكية لفكرة أن قاليباف قد يكون "ديلسي رودريجيز" في إشارة إلى نائبة رئيس فنزويلا التي تولت مهام الرئاسة بالنيابة في أوائل عام 2026 عقب اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو على يد قوات أمريكية؛ مشيرة إلى أن قاليباف ينظر إليه من جانب بعض المسؤولين في البيت الأبيض كشريك عملي قادر على التفاوض مع إدارة دونالد ترامب.

لكن قاليباف سارع بالسخرية من تلك التقارير، مؤكدا أن "الولايات المتحدة تسعى لترويج أخبار زائف يتم استخدامها للتلاعب بأسواق المال والنفط، والخروج من المستنقع الذي علقت فيه الولايات المتحدة وإسرائيل".

واقع إيراني معقد

سخرية رئيس البرلمان من تلك التقارير ربما كانت الأكثر قبولا في ظل نظام إيراني تتشابك فيه دوائر صنع القرار ما بين سياسية ودينية وعسكرية؛ بصورة تجعل من الصعب انفراد أي شخص –حتى لو كان المرشد الإيراني الأعلى ذاته- باتخاذ القرار. حيث تتمحور تركيبة اتخاذ القرار في إيران حول المرشد الأعلى بصفته الولي الفقيه صاحب الصلاحيات المطلقة، والحرس الثوري الإيراني كقوة أمنية وعسكرية موازية، ومجلس صيانة الدستور، ومجمع تشخيص مصلحة النظام، بينما تقتصر السلطة التنفيذية ممثلة في الرئيس على تنفيذ السياسات العامة التي يحددها المرشد، مما يجعل النظام يجمع بين أنماط متعددة من الفكر الثيوقراطي والعسكري والسياسي والتنفيذ في مشهد شديد التعقيد.

رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف خلال مؤتمر شعبي
رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف خلال مؤتمر شعبي

وبحسب تقارير إعلامية إيرانية، فإن الزعم بأن قاليباف هو " رودريجيز إيران"،  جزء من لعبة استخباراتية تقودها دوائر مرتبطة بالموساد والاستخبارات الأمريكية، بهدف إرباك المشهد الداخلي الإيراني وصناعة انطباع زائف بوجود انقسام في مراكز القرار الإيراني؛ مشددة على أن قاليباف لا يملك صلاحية التفاوض في قضايا السلم والحرب، باعتبارها اختصاصا أصيلا للمرشد الإيراني الأعلى.

محاولات أمريكية إسرائيلية لخلط لأوراق

وتصف التقارير الإيرانية الأحاديث الأمريكية الإسرائيلية بـ"محاولة مكشوفة لخلط الأوراق وتضليل الرأي العام، عبر دفع أسماء لا تملك القرار الفعلي إلى واجهة المشهد، في إطار حرب نفسية لا تقل خطورة عن المواجهة الميدانية".

لم يكن مصطلح الحرب النفسية قاصرا على تحالف "واشنطن- تل أبيب"، حيث انخرط قاليباف نفسه في شن حرب نفسية مضادة عبر تغريدات عديدة تراوحت بين السخرية من المسؤولين الأمريكيين أو توجيه انتقادات لاذعة إلى "إسرائيل" ووصفها بالمجرمة، وتوجيه تهديدات مباشرة إلى الطرفين بعدما وجد في منصة "إكس" متنفسا لنشر منشوراته قائلا: إلى جانب القواعد العسكرية، تعد المؤسسات المالية التي تمول الميزانية العسكرية للولايات المتحدة أهدافا مشروعة. إن سندات الخزانة الأمريكية ملوثة بدماء الإيرانيين. وإذا بادرتم إلى شرائها، فإنكم في الواقع قد هاجمتم أصولكم ومقاركم الرئيسية؛ ونحن نراقب محافظكم الاستثمارية".

منصة "إكس" سلاح في يد قاليباف

وفي رسالة أخرى، يقول: استنادا إلى بعض التقارير الاستخباراتية، يحضر أعداء إيران لاحتلال إحدى الجزر الإيرانية بدعم من احدي دول المنطقة. قواتنا تراقب جميع تحركات العدو وإذا أقدموا على أي خطوة، فستستهدف كافة البنية التحتية الحيوية لتلك الدولة الإقليمية بهجمات متواصلة لا هوادة فيها.

كما اعتاد قاليباف بث منشورات لدعم وصفه بـ"محور المقاومة" في إشارة إلى الفصائل المسلحة المدعومة إيرانيا في المنطقة، وعلى رأسها حزب الله في لبنان، و"المقاومة الإسلامية في العراق"، والحوثيين في اليمن؛ ومنها ما كتبه دعما لحزب الله قائلا: "87 عملية في ليلة واحدة! قبل اندلاع الحرب، قلت في مقابلة إن حزب الله يفيض بالحياة أكثر من أي زمن مضى؛ واليوم، تثبت العمليات الخاطفة، والضربات النوعية المتواصلة التي ألحقت خسائر جسيمة بمعدات العدو الصهيوني وقواته، صدقت وعود السيد الشهيد".

وفي النهاية، يبقى قاليباف أحد أبرز الفاعلين في هندسة المشهد السياسي والأمني في إيران، ويظل طرفا فاعلا في نظام لا يمنح مفاتيحه كاملة إلا لدائرة ضيقة تتجاوز الأفراد إلى بنية معقدة من المؤسسات والنفوذ.

  • الفيديو المرفق يوضح قيادة محمد باقر قاليباف لطائرة خلال رحلة خارجية
الجريدة الرسمية