ذا جارديان: ترامب يتعامل مع حلفائه في الحرب بمنطق زعيم المافيا.. ومغامراته العسكرية المتهورة تفتقر إلى التخطيط وتبقى مفتوحة النهايات.. وتؤكد تراجع زخم شعبيته السياسية الداخلية
على صفحات جريدة "ذا جارديان" البريطانية، وصف الكاتب البريطاني رافائيل بير الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأنه يتعامل مع حلفائه التاريخيين بمنطق "زعيم المافيا" خلال حربه التي شنها ضد إيران، مؤكدا أن المغامرات العسكرية سيئة التخطيط، ومفتوحة النهاية، والتي تخاض بطلب من رئيس أمريكي مندفع، لا تحظى بشعبية لدى شريحة واسعة من الناخبين البريطانيين.
وقال بير: ليس من السهل أن تكون صديقا لـلرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لكنه بالتأكيد أقل خطورة بكثير من أن تكون عدوا له؛ إذ لا توجد مساحة واسعة بين الخيارين؛ ومن هنا فإن الحرب في الشرق الأوسط تكشف مدى ضيق الخيارات المتاحة أمام رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر.
وأضاف: لا ينظر ترامب إلى التحالفات باعتبارها علاقات طويلة الأمد قائمة على المنفعة المتبادلة، بل كصفقات متجددة وفق نموذج أقرب إلى منطق المافيا القائم على فكرة أن "الزعيم يقدم الحماية مقابل الولاء والجزية".
تباين مواقف رئيس الوزراء البريطاني تجاه الحرب الإيرانية
وبحسب المقال: "يجسد موقف ستارمر المتبدل من العمل العسكري الأمريكي في إيران هذه الإشكالية، ففي البداية، رفض السماح للولايات المتحدة باستخدام القواعد العسكرية البريطانية، مبررا ذلك بعدم وجود أساس قانوني للحرب، وأنه لا توجد أدلة على عمل إيراني وشيك يبرر شن الولايات المتحدة لضربات استباقية؛ فيما بدا أن الدافع الأكثر إلحاحا هو سعي ترامب إلى مغامرة خارجية مع تراجع زخم شعبيته السياسية الداخلية".
ويتابع: لكن خلال أيام، غير ستارمر موقفه، مبررا ذلك بأن سياسة الأرض المحروقة الانتقامية لطهران عرضت أصولا ومواطنين بريطانيين للخطرعبر إطلاق صواريخ على دول متحالفة مع واشنطن في المنطقة. ولتفادي ذلك، ستستخدم قواعد سلاح الجو الملكي، لكن في إطار "الدفاع الجماعي عن النفس" فقط؛ حيث أكد رئيس الوزراء أن القوات البريطانية لن تشارك في "عمليات هجومية"، وأن دروس حرب العراق لن تنسى.
اليمين البريطاني يلقي بثقله نحو ترامب
يقول بير: تبدو الفوارق الدبلوماسية والقانونية في موقف ستارمر محاولة لموازنة ضغوط داخلية وخارجية متعارضة. لكن أحدا غير راض تجاه موقفه المتحفظ غير المعارض. وهو ملزم باحترام نص التحالف عبر الأطلسي، لكن من دون الحماسة القتالية التي يطالب بها ترامب وحلفاؤه في اليمين البريطاني، ومنهم زعيم حزب الإصلاح اليميني نيجل فاراج وزعيمة حزب المحافظين كيمي بادنوك اللذان أيدا الهجمات على إيران بلا تردد؛ حتى أن زعيمة المحافظين اتهمت ستارمر باستخدام القانون الدولي ذريعة للتقاعس. وتقول إن همه الحقيقي هو استرضاء "مجموعات لا تتماشى ولاءاتها السياسية في نزاعات الشرق الأوسط مع المصالح البريطانية"، في إشارة ضمنية إلى نواب حزب العمال الذين يمثلون دوائر ذات كثافة سكانية مسلمة كبيرة.
ويمضي الكاتب: قد يكون ذلك عاملا في بعض المناطق، لكن بادنوك، بحماستها لحروب الثقافة، تغفل نقطة أوسع وهي أن المغامرات العسكرية سيئة التخطيط، مفتوحة النهاية، والمبررة بشكل واه، والتي تخاض بطلب من رئيس أمريكي مندفع، لا تحظى بشعبية لدى شريحة واسعة من الناخبين البريطانيين.
اليسار البريطاني يرفض السياسات "الترامبية"
وفي أوساط اليسار الليبرالي، يقول بير: يسود الإحباط داخل اليسار في بريطانيا من الاعتماد على قوة عظمى متهورة، ويتزايد التململ الداعي إلى إعادة التموضع نحو أوروبا.
لكن هناك ترددا أيضا حيال ما يتطلبه ذلك في مجالي الدفاع والأمن. فالرغبة في استقلالية السياسة الخارجية في عالم خطر ومتقلب تستلزم امتلاك قدرات قوة صلبة لم تطورها أوروبا خلال العقود التي كانت فيها واشنطن تتكفل بحمايتها.
ويضيف: السعي إلى استقلال استراتيجي عن الولايات المتحدة "الترامبية" ليس طموحا وهميا بالنسبة لبريطانيا، لكنه مشروع مكلف. ويتطلب قرارات غير مريحة يمكن لزعماء المعارضة، لا سيما أولئك الذين لا يملكون فرصة تذكر للوصول إلى رئاسة الوزراء، أن يتجاهلوها بسهولة.
وينهي الكاتب مقاله بالقول: أما ستارمر فلا يملك هذا الترف؛ حيث يواجه الواقع المؤلم لهذه المعضلات ساعة بساعة، ويوما بعد يوم، ومن طبيعة السياسة أنه سيدفع ثمن الخيارات الخاطئة في نهاية المطاف، لكن التاريخ قد يظهر أنه لم تكن أمامه خيارات جيدة أصلا.




