رئيس التحرير
عصام كامل

ارتباك المدارس!

18 حجم الخط

ما جرى في المدارس ليس مجرد ارتباك عابر فرضته تقلبات الطقس، بل هو عرض كاشف لخلل أعمق في بنية إدارة الأزمات، حيث تبدو القرارات وكأنها تُصنع في لحظة وقوع الحدث لا قبله، وتُتخذ تحت ضغط المفاجأة لا وفق رؤية استباقية. 

ذهاب الطلاب إلى مدارسهم ثم إعادتهم فجأة، وإلغاء يوم دراسي بما فيه من امتحانات دون تمهيد، لا يمكن تفسيره فقط بسوء تقدير لحالة جوية، بل يعكس غياب منظومة تنسيق حقيقية بين الجهات المعنية، وعلى رأسها وزارة التعليم والمحافظات الثلاث التي ألغت اليوم الدراسي فجأة وهي القاهرة والجيزة والقليوبية، كما يعكس افتقارًا إلى آلية واضحة لقراءة المعطيات واتخاذ القرار في التوقيت المناسب.

في عالم تُدار فيه الدول بكفاءة عبر ما يُعرف بالإدارة التنبؤية، لم يعد مقبولًا أن تأتي ردود الأفعال متأخرة عن الأحداث. بيانات الأرصاد الجوية لم تكن سرًّا، والتحذيرات من سوء الأحوال الجوية كانت معلنة ومبكرة، لكن يبدو أن الفجوة ليست في توفر المعلومات، بل في كيفية توظيفها داخل دوائر صنع القرار. وهنا تبرز أزمة أخطر: انفصال مراكز اتخاذ القرار عن أدوات التحليل الفعلي، سواء تلك المرتبطة بالبيانات أو بنبض الشارع.

فالمواطن اليوم لم يعد متلقيًا صامتًا، بل أصبح فاعلًا يراقب ويُقيّم ويُعبّر، ومنصات التواصل الاجتماعي تحولت إلى مرايا يومية تعكس المزاج العام. تجاهل هذه المرايا أو التقليل من أهميتها يعني ببساطة فقدان البوصلة. 

التعليقات الساخطة، والسخرية المنتشرة، ليست مجرد تنفيس، بل مؤشرات حقيقية على تآكل الثقة، وهي أخطر ما يمكن أن تواجهه أي منظومة حكم أو إدارة.

وإذا كان مشهد المدارس قد كشف ارتباكًا إداريًا، فإن مشهد الأسواق لا يقل دلالة، حيث ترتفع أسعار سلع أساسية كالطماطم دون ضابط واضح، في ظل غياب رقابة فعالة أو تدخل سريع يضبط الإيقاع. هنا يتجلى وجه آخر للأزمة: غياب الحس الوقائي في إدارة الشأن العام. فالحكومة التي تنتظر الأزمة حتى تتفاقم ثم تتحرك، إنما تدير الواقع بعقلية الإطفاء لا بعقلية البناء.

المفارقة المؤلمة أن هذا كله يحدث في وقت بالغ الحساسية، تتشابك فيه الأزمات الاقتصادية مع توترات إقليمية ودولية تضغط على الداخل، ما يجعل الحاجة إلى إدارة رشيدة أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. لم تعد التحديات تحتمل قرارات مرتجلة أو ردود أفعال متأخرة، بل تتطلب يقظة دائمة، وتنسيقًا محكمًا، واستشعارًا مبكرًا لأي خلل قبل أن يتحول إلى أزمة.

استدعاء نماذج الماضي، حيث كان الطلاب يذهبون إلى مدارسهم في ظروف قاسية ويتعلمون على ضوء المصابيح البسيطة، قد يحمل قيمة رمزية عن الإرادة، لكنه لا يجب أن يُستخدم كذريعة لتبرير القصور الحالي. 

الفارق بين الأمس واليوم ليس في صلابة الناس فقط، بل في حجم الإمكانيات المتاحة للدولة، والتي كان يُفترض أن تُترجم إلى كفاءة أعلى في الإدارة، لا إلى تكرار أخطاء يمكن تفاديها بسهولة.

المستقبل في ضوء هذا الواقع يطرح سؤالًا حاسمًا: هل ستظل الإدارة أسيرة رد الفعل، أم تنتقل إلى مرحلة الفعل الاستباقي؟ الإجابة لا تتوقف على إصلاح قرار هنا أو هناك، بل على إعادة بناء فلسفة الإدارة نفسها، لتقوم على التكامل بين المؤسسات، والاستفادة الحقيقية من البيانات، والإنصات الدائم لصوت الناس.

إن ما حدث اليوم يجب ألا يُطوى كحادثة عابرة، بل يُقرأ كنقطة إنذار. فالدول لا تُقاس بقدرتها على مواجهة الأزمات فقط، بل بقدرتها على توقعها ومنعها قبل أن تقع. وإذا لم تتحول هذه الدروس إلى سياسات واضحة وإجراءات عملية، فإن المستقبل قد يحمل ارتباكًا أكبر، في وقت لم يعد فيه الشارع مستعدًا لتحمل المزيد من المفاجآت.

الجريدة الرسمية