هشاشة العلاقات العربية
في الوقت الذي تلقي فيه أمريكا حممًا بركانية على الشعب الإيراني، وفي الوقت الذي تحدث فيه وزير الحرب الأمريكي بأن المعركة ضد المسلمين سنة وشيعة، وفي الوقت الذي أعلن فيه الهارب من محكمة العدل الدولية بنيامين نتنياهو أنه يسعى إلى إنشاء إسرائيل الكبرى، وفي الوقت الذي أصبح فيه الخطر يتهدد أمة بأكملها، ترى عراكًا بين العرب لا يمكن وصفه إلا بالمراهقة.
وإذا كان الحلال بيِّن والحرام بيِّن وبينهما أمور متشابهات، فإن معظمنا يسقط في تلك المتشابهات عن قصد وعن عمد، أمة تربطها علاقات هشة، أمة إرادتها هشة، أمة مواقفها هشة، أمة تنتظر الدور الذي يختار من بينها شعبًا أو وطنًا أو أرضًا لينهبه وهي لا تبالي.
في الوقت الذي يحدق بنا خطر وجودي، ينتشر الذباب الإلكتروني المدعوم من أنظمة هي ذاتها مهددة وفي مرمى النيران، ينطلق الذباب لينال من وطن أو شعب عربي، وسرعان ما يختلط الحابل بالنابل وتصير الأمور إلى معارك شعبية على الفضاء الوهمي كأن بينهما ثأرًا.
وفي الوقت الذي يعلن فيه كل يوم ومع كل إطلالة للكيان الصهيوني أنه سيقيم دولته على عدد من الدول العربية لا تخلو من مصر ولا الشام ولا السعودية، ولا يزال بيننا من يطلق كلابه المسعورة ليفتَّ في عضد الأمة، لينال من كل مقاومة تواجه وتصد العدو كأنه جندي صهيوني مكلف من نتنياهو شخصيًّا.
لم أر في حياتي علاقات هشة وركيكة وواهنة وضعيفة كما أرى الآن بين الدول العربية، لم يعد هناك خطر يتهددنا وأصبح الخطر الوحيد والمهمة الوحيدة إطلاق الذباب الإلكتروني ليمارس الوقيعة بين الناس والجماهير أسرى الفضاء الإلكتروني وفريسة سهلة له.
يظن البعض أن كاتبًا من هنا أو من هناك يكتب ضد دولة عربية أو شعب عربي دون أن يكون هناك من يكلفه بذلك ويدفع له مقابل هذا، ويدفعه دفعًا للنيل من القيم والتاريخ والحضارة أيًّا كان موقعها، تختزل الأوطان في شقة أو شارع أو حادثة فردية وتنطلق من بعهدها معارك لا يمكن وقفها.
لم أر في حياتي وطنًا يهان من أعدائه فيرد على أبنائه بإهانات أكبر ومعارك هامشية أحقر، وينشر الفساد والسباب بين الجماهير ويشعل الحروب بين الناس، ويضحي بأمنه واستقراره في سبيل زعزعة استقرار دولة عربية أخرى.
لا شك أننا نعيش عصر المراهقة في السياسة وفي الحكم وفي العلاقات التاريخية وفي النموذج الحضاري الذي نحياه، نصنع لأعدائنا تربة خصبة للنيل منا والانتصار علينا، ونقدم للمحتل كل أسباب نجاحه في غزونا وهزيمتنا وسحقنا، بل إننا نسحق أنفسنا قربانًا لأعدائنا.





