المعاشيون.. لم يخرجوا بعد من الحياة!
دخل علينا نحن المصريين شهر رمضان بكرمه، لكن الحكومة لم تكن كريمة مع قطاع عريض عميق من أبناء الشعب المصري، عددهم 11,5مليون مواطن، افنوا أعمارهم في خدمة الحكومة والدولة المصرية واستقطعت مبالغ من مرتباتهم طوال فترة عملهم الوظيفي، تحسبا للحاجة بعد الخروج من العمل إلي البيت، وهو ما يسمي الخروج إلى المعاش..
وللحق فإن الأحد عشر مليونا ونصف المليون من المحالين إلي المعاش، لايزالون يعولون افرادا وأحفادا في أسرهم، قل ثلاثة أو أربعة، أي 40 مليون فرد معلقين برقبة رجل تجاوز الستين، كما أن فيهم المرضى، وفيهم من لا يبلغ معاشه الثلاثة آلاف جنيه..
وقد أفضنا من قبل في مقال سابق لنا علي منصة فيتو، أفضنا في وصف الحالة المعيشية المهينة التي تردى إليها مواطنون باتوا يشعرون أنهم عبء علي أنفسهم وأن الدولة تتمنى زوالهم.. إحساس كريه مميت يغزو من يشكو فلا يسمعه أحد، أو يسمعه الأحد ويشيح عنه وجهه.. ذلك حال الذين خرجوا من الخدمة، وخرجوا من المجال البصري للحكومة..
منذ أعلن الدكتور مصطفي مدبولي عن توجيهات رئاسية بصرف حزمة حماية اجتماعية للأقل دخلا، حسب المعاشيون أنهم محسوبون داخل الحزمة، فإذا بالحزمة الهزيلة حتى لمن استهدفتهم لا تقصدهم، واعتبرتهم من الفئات الأعلي دخلا!
هناك استياء بلغ الذروة، وحزن اجتماعي، أن تجاهلتهم الحكومة وأحالت أمرهم إلي التأمينات، بالرغم من أن الأمر كان يجب أن يحال إليها قبل أن يخرج رئيس الحكومة ليبشر الموظفين بالصرف المبكر للمرتبات لكي يستعدوا للشهر الكريم واحتياجات بيوتهم، كأن المعاشيين ليس أمامهم شهر كريم وليس عليهم أن يحتاجوا..
ولما وزعت المنحة، تجاوزتهم تصريحات الحكومة، وتصبر الناس بأن الرئيس طلب زيادة مجزية في المرتبات والمعاشات مع الموازنة الجديدة، أي في يوليو! للمصريين مثل عريق يقول أحييني النهارده وموتنى بكره، وكنا ظننا أن ثقافة العوز هذه انتهت فإذا بها تترسخ، وتعود الحياة لأمثال شعبية مهجورة..
ومما يزيد من قوة الإحباط أن مذيعا محسوبا على الحكومة بشر ليلتها بأن أصحاب المعاشات في الحزمة وعلي الرأس، فلما ظهرت الحزمة وتدلت، تبين أن المعاشيين ليسوا على الرأس، بل عند القدم!
هل يجوز هذا الفعل المهين السقيم، لملايين تعيش سنواتها الأخيرة، من مالها المقتطع، وليس من مال الحكومة؟ هل الحد الادني الحالي المتدني يكفي حياة رجل طاعن في السن وزوجته وربما معه أبناء وأحفاد؟ كيف يعيش وأي نوع من العيشة حياته؟ هي عيشة الكفاف بحق.
هذا الوضع يجب أن يتغير، والنظرة المتعالية لأبناء الحكومة، موظفيها الذين خرجوا بعد الستين، يراها المعاشيون نظرة تململ وتمنيات سوداء.. تلك مشاعرنا حقا.. نعم خرجوا من الخدمة لكنهم لم يخرجوا بعد من الحياة.. فاحفظوا لهم حياءهم وكرامتهم ووفروا لهم المال الكافي ليعيشوا حياة طيبة هادئة..
نتوقع من السيد الرئيس أن يوجه الحكومة إلى النظر لترى بجلاء بؤس أكثر من أربعين مليون مواطن بحاجة إلي حياة كريمة وأن تحفظ ماء وجوههم ولا تجعلهم يمدون أياديهم هنا وهناك.. إن البنوك ذاتها ترفض إقراضهم لسبب خجول هو أنهم عرضة للموت بحكم السن! عجبي علي من يخرج من خدمة الحكومة بعد الستين.. بهدلة والله بهدلة!
