رئيس التحرير
عصام كامل

اتصال الرئيس بشيخ الأزهر.. رسائل الوعي والتقدير

18 حجم الخط

يحمل الاتصال الهاتفي الذي أجراه الرئيس عبد الفتاح السيسي للاطمئنان على صحة فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب دلالات تتجاوز حدود المجاملة البروتوكولية، إلى مساحة أعمق من التقدير الوطني لدور المؤسسة الدينية الأعرق في العالم الإسلامي، ممثلة في الأزهر الشريف، بوصفه حصنًا للفكر الوسطي ومنارةً علميةً تحفظ توازن الخطاب الديني في زمن تتنازع فيه البشرية أصوات الاعتدال ونزعات التطرف.

 

فمثل هذه اللفتة الإنسانية تعكس إدراكًا رسميًا لقيمة العلماء ودورهم في صيانة الوعي الجمعي للأمة، إذ لم يكن الأزهر عبر تاريخه مجرد مؤسسة تعليمية، بل ضميرًا حضاريًا يواجه الغلو بالفهم، والتعصب بالحكمة، والصدام بالحوار. ومن هنا تأتي رمزية الاطمئنان على شيخ الأزهر باعتباره رمزًا دينيًا عالميًا تجاوز تأثيره الإطار المحلي ليصبح أحد أبرز الأصوات الداعية إلى السلام الإنساني والتعايش بين الشعوب.

 

وقد جسّد الإمام الطيب هذا الدور بصورة عملية حين أسهم في صياغة واحدة من أهم الوثائق الإنسانية في العصر الحديث، وهي وثيقة الأخوة الإنسانية التي وقّعها مع قداسة البابا فرنسيس في أبوظبي عام 2019، لتؤسس لمرحلة جديدة من الحوار بين الأديان قائمة على الاعتراف المتبادل بكرامة الإنسان وحقه في العيش الآمن بعيدًا عن صراعات الهوية والدين. 

لم تكن الوثيقة بيانًا نظريًا، بل إعلانًا أخلاقيًا عالميًا يواجه خطاب الكراهية ويؤكد أن الأديان بريئة من العنف الذي يشعله المتطرفون أو توظفه صراعات السياسة وتجارة الحروب.

 

إن تجربة الإمام الأكبر في مدّ جسور التواصل بين الشرق والغرب، وبين المسلمين والمسيحيين، تقدم نموذجًا عمليًا يؤكد أن السلام لا تصنعه القوة وحدها، بل تصوغه العقول المستنيرة والضمائر المؤمنة بالحوار. ففي زمن يشعل فيه مجانين الحروب والمهووسون بالتطرف نزاعاتٍ تحرق الإنسان قبل العمران، يصبح صوت رجال الدين المستنيرين ضرورة إنقاذ للبشرية، لأن الحوار الصادق بين الرموز الدينية قادر على تبريد بؤر الصراع وإعادة الاعتبار للقيم المشتركة التي تجمع الإنسان بأخيه الإنسان.

ومن هنا تكتسب دعوات الشفاء العاجل لفضيلة الإمام الطيب بعدًا إنسانيًا يتجاوز شخصه الكريم إلى الحاجة العالمية لاستمرار هذا الصوت الوسطي العاقل، الذي يذكّر العالم بأن الاختلاف سنة كونية لا سببًا للصراع، وأن التنوع مدخل للتعارف لا للتناحر، مصداقًا لقوله تعالى في سورة الحجرات:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾.

 

إن الرسالة التي يحملها الأزهر وعلماؤه اليوم، بدعم الدولة وتقديرها، هي رسالة بقاء للإنسانية ذاتها؛ رسالة تؤكد أن طريق النجاة من محارق الكراهية لا يمر عبر صدام الحضارات، بل عبر تعارفها، ولا عبر صراع الأديان، بل عبر تحاورها. 

وفي هذا السياق، تبدو مبادرة الرئيس بالاطمئنان على شيخ الأزهر تعبيرًا عن وعيٍ سياسي يقدّر القوة الناعمة للفكر الديني المستنير، ويؤمن بأن بناء السلام يبدأ من احترام العلماء الذين يصنعون وعي الشعوب قبل أن تصنع السياسات مصائر الدول.

نسأل الله أن يمنّ على الإمام الأكبر بالشفاء العاجل، وأن يمدّه بالصحة والعافية ليواصل رسالته في ترسيخ الوسطية وتعزيز الأخوة الإنسانية، وأن تبقى مصر -بأزهرها وعلمائها- منارةً للسلام، وصوتًا للعقل في عالمٍ أنهكته الحروب وأضنته الكراهية.

الجريدة الرسمية